في عينيه فأبصر ، ونفث في أذنيه فسمع . قالت له : أطلق لسانه ورجليه رحمك اللَّه . قال : خذيه فإنّ له يوما عظيما . وخرج الملك يوما ليسير في مدينته ، إذ وقع بصره على الشجرة ، فقال : إني أرى شجرة بمكان ما كنت أعرفها به . قالوا : تلك شجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذّبه بالجوع ، فهو فيما شاء وقد شبع منها وأشبع العجوز الفقيرة وشفى لها ابنها . فأمر الملك بالبيت فهدم وبالشجرة لتقطع .
فلمّا همّوا بقطعها أيبسها اللَّه تعالى وردّها كما كانت أوّل مرّة ، فتركوها . وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتد له أربعة أوتاد ، وأمر بعجلة وأوقرها أسطوانا وجعل في أسفل العجلة خناجر وشفارا ، ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجلة نهضة واحدة وجرجيس تحتها ، فانقطع ثلاث قطع ، فأمر بقطعه فأحرقت بالنار ، حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك الرّماد وبعث معه رجالا فذرّوه في البحر ، فلم يبرحوا من مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء : يا بحر ، إنّ اللَّه يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيّب ، فإنّى أريد أن أعيده كما كان . ثم أرسل اللَّه تعالى الريح فأخرجته ثم جمعته حتى صار الرّماد صبرة كهيئة قبل أن يذرّوه ؛ فخرج منه جرجيس مغبرا ينفض رأسه ، فرجعوا ورجع جرجيس ، فأخبروا الملك خبر الصوت [ الذي سمعوا « 1 » ] والريح التي جمعته ، فقال : هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك مما نحن فيه ؟
ولولا أن يقول الناس إنك قهرتنى وغلبتني لاتّبعتك وآمنت بك ، ولكن اسجد لأفلون سجدة واحدة واذبح له شاة واحدة ، ثم إني أفعل ما يسرّك . فقال له : نعم ، مهما شئت فعلت ، فأدخلنى على صنمك . ففرح الملك بقوله فقام وقبّل يديه ورجليه ورأسه وقال : إنّى أعزم عليك ألَّا تظل هذا اليوم إلَّا عندي ، ولا تبيت هذه الليلة إلَّا في بيتي وعلى فراشي ، حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب ، ويرى الناس كرامتك علىّ ،
هامش
« 1 » زيادة عن الثعلبي .