تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
فرغ منهم قال لجرجيس : هلَّا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك ! . فقال له جرجيس : ما خلَّى بينك وبينهم حتى حان لهم . فقال رجل من عظماء أصحابه يقال له مخلنطيس : إنك زعمت يا جرجيس أن إلهك هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، وإني سائلك أمرا إن فعله إلهك آمنت بك وصدّقتك وكفيتك ، إنّ حولنا أربعة عشر كرسيّا ومائدة ، وبيننا أقداح وصحاف وهى من أشجار شتّى ، فادع إلهك ينشئ هذه الكراسىّ والأوانى كما بدأها أوّل مرّة حتى تعود خضراء يعرف كلّ عود منها بلونه وورقه وزهره . فقال له جرجيس : قد سألت أمرا عزيزا علىّ وعليك ، وإنه على اللَّه لهيّن ، ودعا اللَّه عزّ وجل ، فما برحوا من مكانهم حتى اخضرّت تلك الكراسىّ والأوانى كلها وساخت عروقها وألبست اللحاء وتشعّبت فأورقت وأزهرت وأثمرت . فلمّا نظروا إلى ذلك انتدب له مخلنطيس الذي تمنّى عليه ما تمنّى فقال : أنا أعذّب لكم هذا الساحر عذابا يضلّ عنه كيده . فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور أجوف واسع ، ثم حشاه نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا ، ثم أدخل جرجيس مع الحشو في جوفه ، ثم أوقد تحت الصورة حتى التهبت وذاب كل شئ فيها واختلط ، ومات جرجيس في جوفها . فلمّا مات أرسل اللَّه عزّ وجل ريحا عاصفا فملأت السماء سحابا أسود مظلما ، فيه رعد وبرق وصواعق ، وأرسل اللَّه تبارك وتعالى إعصارا ملأت بلادهم عجاجا وقتاما حتى اسودّ ما بين السماء والأرض ، ومكثوا أياما متحيّرين في تلك الظَّلمة لا يفصلون بين الليل والنهار ، وأرسل اللَّه تعالى ميكائيل فاحتمل الصورة التي فيها جرجيس ، حتى إذا أقلَّها ضرب بها الأرض ففزع من روعها أهل الشام أجمعون فخرّوا على وجوههم صعقين ، وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيّا . فلمّا وقف يكلَّمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض ورجعت إليهم أنفسهم . فقال له رجل يقال له طرفلينا : لا ندري