تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
يا جرجيس أأنت تصنع هذه الأعاجيب أم ربّك ! فإن كان ربك هو الذي يصنع هذا فادعه يحى موتانا ؛ فإنّ في هذه القبور أمواتا منهم من يعرف ومنهم من لا يعرف . فقال له جرجيس : لقد علمت ما يصفح اللَّه عنكم هذا الصفح ويريكم هذه الأعاجيب إلَّا كانت عليكم حجّة ، فتستوجبوا غضبه ، ثم أمر بالقبور فنبشت وهى عظام رفات وأقبل على الدعاء ، فما برحوا من مكانهم حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانا : تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية ، وإذا فيهم شيخ كبير . فقال له جرجيس : يا شيخ ، ما اسمك ؟ فقال : يا جرجيس اسمى نوبيل . قال : متى متّ ؟ قال : في زمان كذا وكذا . فحسبوا فإذا هو مات منذ أربعمائة سنة . فلمّا نظر الملك وأصحابه إلى ذلك قالوا : ما بقي من أصناف العذاب شئ إلَّا وقد عذّبتموه به إلَّا الجوع والعطش ، فعذّبوه بهما . فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة ، وكان لها ابن أعمى أصمّ أبكم مقعد ، فحصروه في بيتها ولا يصل اليه من عند أحد طعام ولا شراب . فلمّا بلغ به الجوع قال للعجوز : هل بقي عندك من طعام أو شراب ؟ قالت : لا والذي يحلف به ما عهدنا الطعام منذ كذا وكذا ، وسأخرج ألتمس لك شيئا . فقال لها جرجيس : هل تعرفين اللَّه تعالى ؟ قالت نعم . قال : فإيّاه تعبدين ؟ قالت لا . فدعاها إلى اللَّه عز وجلّ فصدّقته ، وانطلقت تطلب له شيئا ، وفى بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت ، فأقبل على الدعاء ، فاخضرّت تلك الدّعامة وأنبتت له كل فاكهة تؤكل أو تعرف ، حتى كان فيها اللَّوبيا واللَّبان « 1 » مثل البردىّ يكون بالشام ، وظهر للدّعامة فروع من فوق البيت أظلَّته وما حوله . فأقبلت العجوز وهو فيما شاء يأكل رغدا . فلمّا رأت الذي حدث في بيتها من بعدها قالت : آمنت بالذي أطعمك ، فادع هذا الرّب العظيم ليشفى ابني . قال : ادنيه منّى ، فأدنته ، فبصق
هامش
« 1 » كذا في الثعلبىّ . وفى الأصول : « واليا وهو شئ يكون بالشام الخ » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 266 | النويري