تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
فلمّا فرغ من عتابه نفسه مدّوه بين خشبتين ثم وضعوا سيفا على مفرق رأسه فنشروه حتى سقط من بين رجليه وصار قطعتين ، فعمدوا إلى أجزائه فقطَّعوها قطعا ، وللملك سبعة أسود ضارية ، وكانوا صنفا من أصناف عذابه ، فرموا بجسده إليها . فأمرها اللَّه تعالى فخضعت له برؤسها وأعناقها وقامت على براثنها ، فظلّ يومه ذلك ميّتا وهى أوّل موتة ماتها . فلمّا أدركه الليل جمع اللَّه جسده الذي قطَّعوه بعضه إلى بعض حتى سوّاه ، ثم ردّ اللَّه تعالى اليه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قعر الجبّ فأطعمه وسقاه وبشّره وعزّاه . فلمّا أصبحوا قال له الملك : يا جرجيس ، قال : لبيك ! قال : اعلم أنّ القدرة التي خلق اللَّه تعالى بها آدم من التراب هي التي أخرجتك من قعر الجبّ ، الحق بعدوّك وجاهده في اللَّه حقّ جهاده ومت موت الصابرين . فلم يشعر الملك وأصحابه إلَّا وقد أقبل جرجيس وهم في عيد لهم عكوف عليه صنعوه فرحا بموت جرجيس . فلمّا نظروا إليه وقد أقبل قال الملك : ما أشبه هذا بجرجيس ! قالوا : كأنه هو . قال الملك : ما بجرجيس من خفاء إنه لهو ، ألا ترون إلى سكون ريحه وقلَّة هيبته . قال جرجيس : أنا هو ، بئس القوم أنتم ! قتلتم ومثّلتم فأحياني اللَّه بقدرته ، فهلَّموا إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم . فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض وقالوا : ساحر سحر أعينكم . وجمعوا من كان ببلادهم من السحرة . فلمّا جاؤوا قال الملك لكبيرهم : اعرض علىّ من كبير سحرك ما يقرّ عيني . قال : ادع لي بثور من البقر . فلمّا أتى به نفث في إحدى أذنيه فانشقّت باثنتين ، ثم نفث في الأخرى فإذا هو ثوران ، ثم دعا ببذر فحرث وبذر ، فشبّ الزرع واستحصد ، ثم درس وذرى وطحن وعجن وخبز ، كلّ ذلك في ساعة واحدة . فقال الملك : هل تقدر أن تمسخه لي دابّة ؟ قال الساحر : أىّ دابّة أمسخه لك ؟ قال : كلبا . قال : ادع لي بقدح من ماء .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 263 | النويري