تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
وحكى الكسائىّ أنّ قارون اتخذ سريرا من الذهب يصعد إليه بمراق ، وعليه أنواع من فرش الديباج ، وعلى رأسه تاج من الذهب مرصّع بالجوهر . قالوا : فلما خرج في بعض الأيام في زينة عظيمة ، تمنّى أهل الجهالة والخسارة مثل الَّذى أوتيه ، وقالوا ما أخبر اللَّه تعالى به عنهم : * ( قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّه لَذُو حَظٌّ عَظِيمٍ ) * فأنكر عليهم أهل العلم باللَّه تعالى ، وقالوا لهم : اتقوا اللَّه واعملوا ما أمركم به ، وانتهوا عما نهاكم اللَّه عنه ، فإن ثواب اللَّه خير لمن آمن وعمل صالحا من لذّات الدنيا وشهواتها ؛ قال اللَّه تعالى : * ( ولا يُلَقَّاها ) * ، أي لا يوفّق لهذه الكلمة * ( إِلَّا الصَّابِرُونَ ) * ، أي على طاعة اللَّه وعن زينة الحياة الدنيا . قالوا : ثم أوحى اللَّه تعالى إلى نبيّه موسى - عليه السلام - أن يأمر قومه أن يعلَّقوا في آذانهم خيوطا أربعة ، في كل طرف خيط أخضر كلون السماء فقال موسى : يا رب لم أمرت بني إسرائيل بتعليق هذه الخيوط الخضر في آذانهم ؟ فقال تعالى : إن بني إسرائيل في غفلة ، وقد أردت أن أجعل لهم علما في ثيابهم ليذكرونى به إذا نظروا إلى السماء ، ويعلموا أنى منزل منها كلامي . فقال موسى : يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا ، فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط ؟ فقال له : يا موسى ، إن الصغير من أمرى ليس بصغير ، وإن لم يطيعونى في الأمر الصغير لم يطيعونى في الأمر الكبير . قال : فدعا موسى بني إسرائيل وأعلمهم بأمر اللَّه تعالى ؛ ففعلوا ذلك واستكبر قارون فلم يطعه ، وقال : إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا من غيرهم . فكان هذا أيضا من بغيه وعصيانه .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 236 | النويري