قال : فلمّا رآها تهتزّ كأنّها جانّ ولَّى مدبرا ولم يعقّب .
فلما أمعن في الهرب قال له جبريل : أتهرب من ربّك وهو يكلَّمك ؟ قال :
ما فررت إلَّا من الموت . ورجع وهى بحالها ؛ قال اللَّه تعالى : * ( خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الأُولى ) * .
فأدخل يده في فيها فإذا هي عصا ؛ ثم قال اللَّه له : * ( واضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ) * فذهب الخوف عن موسى ؛ ثم أمره اللَّه تعالى أن يذهب إلى فرعون ، فقال : * ( اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّه طَغى ) * . قال موسى : ربّ اشرح لي صدري ، ويسّر لي أمرى ، واحلل عقدة من لساني ، يفقهوا قولي ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، هارون أخي ، اشدد به أزرى ، وأشركه في أمرى ، كي نسبّحك كثيرا ، ونذكرك كثيرا ، إنّك كنت بنا بصيرا .
قال اللَّه تعالى : * ( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) * .
قال : ثم تذكَّر موسى ما كان منه فقال : ربّ إنّى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون . فنودي : يا موسى لا تخف إنّى لا يخاف لدىّ المرسلون . ثم ذكَّره اللَّه منّته عليه فقال : * ( ولَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ) * الآيات ؛ ثم قال اللَّه تعالى : * ( اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّه طَغى ، فَقُولا لَه قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّه يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ، قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ، قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وأَرى ، فَأْتِياه فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ) * .
قال : وكان الخطاب لموسى وحده ، والرسالة له ولهارون .
قال : وأمّا ابنة شعيب فاشتدّ بها الطلق ، وسمع سكَّان الوادي من الجنّ أنينها ، فأتوها وأوقدوا النار عندها ، وقبلوها ؛ وقيّض اللَّه تعالى لها من ردّها إلى أبيها ؛ واللَّه المعين .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 188
مساهمون: النويري
ص١٨٨