فجمع الملك جنوده وقصدهم ، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فكانت الكسرة على أولاد أيوب ، وأسر بشير بن أيوب وجماعة معه ؛ وانقلب حوميل بنفسه وجمع مالا عظيما ليحمله إلى الملك ويخلَّص أخاه منه ؛ فبينما هو في ذلك إذ أتاه آت في منامه فقال : لا تحمل هذا المال ، ولا تخف على أخيك ، فإن هذا الملك يؤمن ، وتكون عاقبة أمره خيرا .
فلما أصبح قصّ رؤياه على إخوته ، ففرحوا ؛ فبلغ الملك توقّفه في حمل المال فأرسل إليه يقول : احمل ما تكفل به أخاك من المال وإلَّا أحرقته بالنار . فبعث إليه : إني قد أمرت ألَّا أحمل لك شيئا ، فاصنع ما أنت صانع . فغضب الملك وأمر أن تجمع الأحطاب ؛ فجمعت وألقى فيها النار والنّفط ، وأمر ببشير فألقى فيها فلم تحرقه ؛ فعجب الملك من ذلك ، وآمن باللَّه ، واختلط بعضهم ببعض ، وزوّجوه أختهم ، وسمى بشير ذا الكفل ، وأرسله اللَّه إلى الشأم ؛ وكان الملك يقاتل بين يديه الكفار ، فلم يزل كذلك حتى مات أولاد أيّوب ؛ ثم مات الملك وغلب العمالقة على الشأم ، إلى أن بعث اللَّه - عزّ وجلّ - شعيبا رسولا .
وحكى الثعلبي في تفسيره وقصصه في قصّة ذي الكفل غير ما تقدّم ، وساق القصّة تلو قصة اليسع ، فقال : قال مجاهد : لما كبر اليسع قال : لو أنى استخلفت رجلا على الناس فعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل . فجمع الناس وقال :
من يتكفّل لي بثلاثة أستخلفه : يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يغضب .
فقام رجل شاب تزدريه العين قال : أنا . فردّه ذلك اليوم ؛ وقال مثل ذلك في اليوم الآخر ؛ فسكت الناس ، وقام ذلك الرجل فقال : أنا . فاستخلفه ؛ فجعل إبليس يقول للشياطين : عليكم بفلان . فأعياهم ؛ فقال : دعوني وإياه . فجاءه
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 165
مساهمون: النويري
ص١٦٥