قال إبليس : بئس ما قلت ، ولكن للسماء إله وللأرض إله ؛ فأمّا إله السماء فهو اللَّه ؛ وأمّا إله الأرض فأنا ، فأردتكم لنفسي فعبدتم إله السماء ولم تعبدونى ففعلت بكم ما فعلت ، وسلبتكم نعمكم ، وكلّ ذلك عندي ، فاتّبعينى حتى تنظري إلى ذلك ، فإنّه عندي في وادى كذا وكذا .
فلما سمعت ( رحمة ) ذلك منه عجبت ، واتبعته غير بعيد حتى وقفها على ذلك الوادي ، وسحر عينيها حتى رأت ما كانت فقدته من أموالهم . فقال :
أنا صادق أم لا ؟ فقالت : لا أدرى حتى أرجع إلى أيّوب . فرجعت وأخبرته بذلك ، فتألم وأنكر عليها وغضب ؛ فسألته أن يعفو عنها ولا تعود ؛ فقال :
قد نهيتك مرّة وهذه أخرى ، وأقسم إن عافاه اللَّه ليجلدنها مائة جلدة على كلامها لإبليس .
قال : ولبث أيّوب في بلائه ثماني عشرة سنة حتى لم يبق إلَّا عيناه تدوران في رأسه ، ولسانه ينطق به ، وقلبه على حالته ، وأذناه يسمع بهما .
قال : وعجزت ( رحمة ) في بعض الأيام عن تحصيل القوت ، وطافت القرية حتى أتت إلى امرأة عجوز فشكت لها ذلك ؛ فقالت العجوز : يا رحمة ، قد زوّجت ابنتي ، فهل لك أن تعطيني ضفيرتين من ضفائرك لأزين بهما ابنتي ، وأعطيك رغيفين . فأجابتها رحمة إلى ذلك ، وأخذت الرغيفين ، وجاءت بهما إلى أيوب ؛ فأنكرهما أيوب وقال : من أين لك هذين ؟ فأخبرته بالقصة ؛ فصاح أيوب وقال ما أخبر اللَّه تعالى : * ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) * .
فأوحى اللَّه إليه : يا أيّوب ، قد سمعت كلامك ، وسأجزيك على قدر صبرك ؛ وأمّا رحمة فلأرضينّها بالجنة .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 162
مساهمون: النويري
ص١٦٢