تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
كيف وجدت عبدي أيّوب وصبره على ذهاب أمواله ؟ فقال إبليس : إلهي إنك قد متّعته بالأولاد ، فلو سلَّطتنى عليهم لوجدته غير صابر . فنودي : يا ملعون اذهب فقد سلَّطتك عليهم . فانقضّ إبليس على باب قصر أيّوب الَّذى فيه أولاده فزلزله حتّى سقط عليهم ، وشدخهم بالخشب ، ومثّل بهم كلّ مثلة ؛ فأوحى اللَّه إلى الأرض : احفظى أولاد أيّوب فإنّى بالغ فيهم مشيئتى . وأقبل إبليس إلى أيّوب وقال له : لو رأيت قصورك كيف تهدّمت ، وأولادك وما حلّ بهم . ولم يزل يعدّ له ما حلّ بهم حتّى إبكاه ؛ ثم ندم على بكائه ، فاستغفر وخرّ ساجدا ؛ وأقبل على إبليس وقال : يا ملعون ، انصرف عنّى خائبا ؛ فإن أولادي كانوا عارية عندي للَّه . فانصرف وصعد إلى السماء ، ووقف موقفه ، فنودي : يا ملعون ، كيف رأيت عبدي أيوب واستغفاره عند بكائه ؟ فقال : إلهي إنّك قد متّعته بعافية نفسه ، وفيها عوض عن المال ، فلو سلَّطتنى على بدنه لكان لا يصبر . فنودي : يا ملعون اذهب فقد سلَّطتك على جسده إلَّا عينيه ولسانه وقلبه وسمعه . فانقضّ إبليس عليه وهو في مسجده يتضرّع إلى اللَّه ويشكره على جميع بلائه ؛ فلمّا سمع إبليس ذلك منه اغتاظ ، ولم يتركه يرفع رأسه من السجود حتى نفخ في منخريه كالنار الملتهبة ؛ فاسودّ وجهه ، ومرّت النفخة في سائر جسده ؛ فتمعّط منها شعره ، وتقرّح جميع بدنه ، وورم في اليوم الثاني ، وعظم في الثالث ، واسودّ في الرابع ، وامتلأ قيحا في الخامس ، ووقع فيه الدود في السادس ، وسال منه الصديد في اليوم السابع ووقع فيه الحكاك ، فجعل يحكَّه حتى سقطت أظافيره ؛ فحكّ بدنه بالخروق والمسوح والحجارة ، وكان إذا سقطت دودة من بدنه ردّها إلى موضعها ، ويقول : كلى إلى أن يأذن اللَّه بالفرج .