فاحتملته إلى البرّيّة ، فمرّت براعى بقرات فعرضته عليه ، فأخذه ، وعادت إلى منزلها ؛ فلمّا وضعه الراعي بين البقر نفرت وتفرّقت وعسر عليه جمعها ؛ وأقبلت امرأته فأخبرها بخبر الغلام ؛ فقالت : اقتله فإنّه شؤم . فأبى وقال : اطرحيه في النهر .
فطرحته في نهر عظيم ، فألقاه الماء إلى البرّ ؛ فقيّض اللَّه له نمرة فأرضعته وانصرفت ؛ فرأته امرأة من قرية هناك فعجبت وأخبرت أهل القرية ، فخرجوا إليه واحتملوه وربّوه وسمّوه نمروذ ، فلمّا بلغ جعل يقطع الطريق ويغير على النواحي ، واجتمع له جمع كثير ، فبلغ خبره كنعان ، فجعل يبعث إليه بقائد بعد قائد وهو يهزمهم ؛ وعظم أمره حتى صار في جيش عظيم ؛ فسار إلى كوثاربا وقاتل كنعان ، فهزم جيوشه وظفر به ، وقتله وهو لا يعلم أنه أبوه ، واحتوى على ملكه ؛ ثم أخذ في غزو الملوك حتّى ملك الشرق وسائر ممالك الدنيا ؛ ثم رجع إلى كوثاربّا فاستدعى وزراءه وقال : أريد أن أبنى بنيانا عظيما لم أسبق إلى مثله . فدلَّوه على تارح وذكروا أنّه عارف بأمر النجارة والبناء ؛ فأحضره ومكَّنه من خزانته ، وأمره بإنشاء قصر عظيم ؛ فخرج تارح وشرع في بنائه ، وتأنّق فيه ، وأجرى فيه الأنهار ؛ فلمّا كمل ورآه نمروذ خلع على تارح ، وجعله وزيره .
وأخذ نمروذ في التكبّر حتى ادّعى الألوهية .
وكان مولعا بعلم النجوم ، فأتقنه ؛ فجاءه إبليس في صورة شيخ وسجد له وقال : إنك قد أتقنت علم النجوم ؛ وعندي علم ما هو أحسن منه ، وهو السحر والكهانة . فعلَّمه ذلك ، ثم حسّن له عبادة الأصنام ، فدعا بتارح وأمره أن يتخذ له صنما على صورته ، ويتّخذ لقومه أصناما أخرى ؛ فاتخذها تارح من الجوهر والذهب والفضّة والقوارير والخشب على أقدار الناس ، وكلَّها على صورة نمروذ حتى اتّخذ سبعين صنما ، وأمر نمروذ قومه أن يتّخذوها ؛ ففعلوا ذلك وانهمكوا
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 98
مساهمون: النويري
ص٩٨