ولد آخر يقال له : الهاص ؛ فلما مات كوش استقل الهاص بالملك دون كنعان واستقلّ كنعان بالصيد ، وولع به حتّى ألهاه عن طلب الملك ؛ وكان مع ذلك شديد البطش والقوّة ، فبينما هو يتصيّد إذ رأى امرأة ترعى بقرات ، فأعجبته فراودها عن نفسها ، فامتنعت واعتذرت بزوجها ؛ فقال : ويلك ، هل على وجه الأرض من يطاولنى وأنا من ولد كوش ، ونحن ملوك الأرض ؟ فضحكت المرأة كالمستهزئة ، وقالت : لا تذكر الملوك وأنت رجل صيّاد .
ثم أقبل زوجها فقتله كنعان وأخذ المرأة ووطئها ، فحملت بنمرود ، ونقلها كنعان إلى قصره ، فكانت من أحظى نسائه ؛ ثم قتل أخاه بعد ذلك ، واستقلّ بالملك .
ثم رأى في منامه كأنّه صارع إنسانا فصرعه وقال : أنا مشئوم أهل الأرض ومنزلي الظلمة . وقد أجّلتك حتّى أخرج من ظلمتى هذه إلى ضوء الدنيا .
فانتبه مرتاعا ، وأحضر أصحاب علم النجوم ، وقصّ رؤياه عليهم ؛ فقالوا :
سيولد مولود هو الآن في بطن أمّه يكون هلاكك على يديه .
وتبيّن حمل الراعية - وكان اسمها شلخاء - وكانت تسمع من بطنها صوتا عجيبا ، فسمعه كنعان فقال : ويحك ، هذا ليس بآدمىّ ؛ وإنما هو شيطان ؛ وهمّ أن يدوس بطنها ليقتل من فيه ؛ فهتف به هاتف : مه يا كنعان ، ليس إلى قتله سبيل .
فلمّا كملت مدّة الحمل وضعته أسود أحول أفطس أزرق العين ؛ وخرجت حيّة من حجر فدخلت في أنفه ، ففزعت شلخاء ؛ وأخبرت كنعان بخبره ؛ فقال : اقتليه فإنّه شؤم . فقالت : لا تطيب نفسي بقتله . قال : فاحتمليه واطرحيه في البرّيّة .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 97
مساهمون: النويري
ص٩٧