تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وبعد ، فإني أعود إلى ذكر [ ذلك « 1 » ] الحيوان الغريد ، والشيطان المريد ؛ فأقول : لئن سمّى بالزّريزير ، لقد صغّر للتكبير « 2 » ؛ كما قيل : حريقيص وسقطه « 3 » يحرق الحرج ، ودويهية وهى تلتهم الأرواح والمهج . ومعلوم أنّ هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور في فهم التلقين ، وحسن اليقين . فإذا علَّم الكلام لهج بالتسبيح ، ولم ينطق لسانه بالقبيح ، وتراه يقوم كالنصيح ، ويدعو للخير بلسان فصيح . فمن أحبّ الاتّعاظ ، لقى منه قسّ « 4 » إياد بعكاظ ؛ أو مال إلى سماع البسيط والنشيد ، وجد عنده نخب الموصلىّ للرشيد . فطورا يبكيك بأشجى من مراثي أربد « 5 » ، وحينا يسلَّيك بأحلى من أغانى معبد « 6 » . فسبحان من جعله هاديا خطيبا ، وشاديا مطربا مطيبا . ولما طار ببلاد الغرب ووقع ، ورقى في أكنافها وصقع ؛ وعاين ما اتّفق « 7 » فيها في هذا العام من عدم الزيتون ، في تلك البطون والمتون ؛ أزمع عنها فرارا ، ولم يجد بها قرارا ؛ لأن هذا الثمر « 8 » بهذا الأفق هو قوام معاشه ، وملاك انتعاشه ؛ إليه يقطع ، وعليه يقع ؛ كما يقع على العسل الذّباب ، وتقطع إلى العراد « 9 » الضّباب ؛ فاستخفّه هائج التذكار ، نحو تلك
هامش
« 1 » الزيادة عن الذخيرة . « 2 » في الأصلين : « الكبر » . « 3 » السقط : ما سقط بين الزندين قبل استحكام الورى . والحرج : جمع حرجة ، وهى الغيضة لضيقها أو هي الشجر الملتف . « 4 » هو قس بن ساعدة الإيادى حكيم العرب وخطيبها ، وقد سمعه النبي صلى اللَّه عليه وسلم بعكاظ على جمل أحمر يخطب خطبته المعروفة . « 5 » هو أربد بن قيس أخو لبيد بن ربيعة لأمه ، وفد على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأراده بشرّ فأصابته صاعقة فرثاه أخوه لبيد بقصائد عدة . ( راجع الأغانى ج 15 ص 136 - 140 طبع بولاق ) . « 6 » هو معبد بن وهب المغنى المعروف ( راجع ترجمته في الأغانى طبع دار الكتب المصرية ج 1 ص 36 - 61 ) . « 7 » في الأصلين والذخيرة : « أنفق » . « 8 » في الأصلين : « الثمن » . « 9 » العراد : حشيش طيب الريح . قال أبو الهيثم : تقول العرب : قيل للضب وردا وردا ؛ فقال :أصبح قلبي صردا لا يشتهى أن يردا إلا عرادا عردا وصلَّيانا بردا وعنكثا ملتبدا
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 244 | النويري