تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
وأمّا القاعد في البلد بغير كسب فليس ذلك حراما ، لأنه لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخّر عنه . فإن أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام . فإن فتح باب البيت وهو بطَّال غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج له أولى ، ولكن ليس فعله حراما إلَّا أن يشرف على الموت ، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب . وإن كان مشغول القلب باللَّه غير متطلَّع إلى الناس ولا إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزق ، بل تطلَّعه إلى فضل اللَّه تعالى واشتغاله باللَّه فهو أفضل وهو من مقامات التوكَّل ، فإن الرزق يأتيه لا محالة . فلو هرب العبد من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه . قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما : اختلف الناس في كلّ شئ إلا في الرزق والأجل [ فإنّهم [ 1 ] ] أجمعوا أن لا رازق ولا مميت إلا اللَّه تعالى . وقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « لو توكَّلتم على اللَّه تعالى حقّ توكَّله لرزقكم [ 2 ] كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ولزالت بدعائكم الجبال » . وقال عيسى عليه السلام : انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدّخر واللَّه تعالى يرزقها يوما بيوم ، فإن قلتم نحن أكبر بطونا ، فانظروا إلى الأنعام كيف قيّض اللَّه تعالى لها هذا الخلق [ للرزق [ 1 ] ] . وقال أبو يعقوب السوسي : المتوكَّلون تجرى أرزاقهم على أيدي العباد بلا تعب منهم وغبرهم مشغولون مكدودون . وقال بعضهم : العبيد كلَّهم في رزق اللَّه تعالى ، لكن بعضهم يأكل بذلّ كالسّؤال ، وبعضهم يأكل بتعب كالتجّار ، وبعضهم بامتهان كالصنّاع ، وبعضهم بعزّ كالصوفيّة ، يشهدون العزيز فيأخذون رزقهم من يده ولا يرون الواسطة . والدرجة الثالثة : ملابسة الأسباب التي يتوهّم إفضاؤها إلى المسبّبات من غير ثقة ظاهرة ، كالذي يستقصى في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه ،
هامش
[ 1 ] زياة عن الإحياء . [ 2 ] كذا في الإحياء . وفى الأصلين : « لرزقتم . . . » .