تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨

ذكر بيان أعمال المتوكلين

قال الغزالىّ رحمه اللَّه : قد يظنّ أن معنى التوكَّل ترك الكسب [ بالبدن [ 1 ] ] وترك التدبير بالقلب ، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم ؛ وهذا ظنّ الجهّال ، فإنّ ذلك حرام في الشرع ؛ والشرع قد أثنى على المتوكَّلين فكيف ينال مقام من مقامات الدّين بمحظورات الدّين ! بل إنما يظهر تأثير التوكَّل في حركة العبد وسعيه بعمله إلى مقاصده . وسعى العبد باختياره إمّا أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود [ 2 ] عنده كالكسب ، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادّخار ، أو لدفع ضارّ لم ينزل به كدفع الصائل والسارق والسباع ، أو لإزالة ضارّ قد نزل به كالتداوى من المرض . فمقصود حركات العبد لا يعدو هذه الحالات الأربع التي هي جلب النافع أو حفظه أو دفع الضارّ أو قطعه . ثم ذكر شرط التوكَّل ودرجاته في كل واحد منها ، وقرن ذلك بشواهد الشرع ، فقال ما مختصره ومعناه :

امّا جلب النافع

، فالأسباب التي بها يجلب النافع على ثلاث درجات : مقطوع به ، ومظنون ظنّا يوثق به ، وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامّة ولا تطمئنّ إليه . فالدرجة الأولى : المقطوع به كالطعام إذا وضع بين يدي الرجل وهو جائع محتاج إلى تناوله فامتنع من مدّ يده إليه وقال : أنا متوكَّل ، وشرط التوكل ترك السعي ، ومدّ اليد إليه سعى وحركة ، وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسفله ؛ فهذا جنون وليس من التوكَّل في شئ ، فإنه إن انتظر أنّ اللَّه تعالى يخلق فيه شبعا دون الخبز أو يسخّر ملكا يمضغه ويوصله إلى معدته فهذا رجل جهل سنّة اللَّه
هامش
[ 1 ] الزيادة عن الإحياء ( ج 4 ص 253 طبعة بلاق ) . [ 2 ] كذا في الإحياء . وفى الأصل : « معبود عنه » .