تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
كحال أبى بكر الصدّيق رضى اللَّه عنه لمّا قيل له في مرض موته : لو دعونا لك طبيبا ! فقال : الطبيب نظر إلىّ وقال إنّى فعّال لما أريد . وكان رضى اللَّه عنه من المكاشفين ؛ والدليل على ذلك أنّه قال لعائشة رضى اللَّه عنها في أمر الميراث : إنما هنّ أختاك ؛ وما كان لها إلا أخت واحدة وكانت امرأته حاملا فولدت أنثى ؛ فلا يبعد أن يكون كوشف بانتهاء أجله ؛ ومحال أن ينكر التداوي وقد رأى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فعله . الثاني : أن يكون المريض مشغولا بحاله وبخوف عاقبته واطَّلاع اللَّه تعالى عليه ، فينسيه ذلك ألم المرض فلا يتفرّغ قلبه للتداوي شغلا بحاله ، كحال أبى ذرّ لمّا رمدت عيناه ، فقيل له : لو داويتهما ! فقال : إنّى عنهما مشغول . فقيل له : لو سألت اللَّه أن يعافيك ! فقال : أسأل فيما هو أهمّ علىّ منهما . وكحال أبى الدرداء فإنه قيل له في مرضه : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي . قيل : فما تشتهى ؟ قال : مغفرة ربى . قالوا : ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . ويكون حال هذا كالمصاب بموت عزيز من أحبابه أو كالخائف من ملك فيشغله ذلك عن ألم الجوع . الثالث : أن تكون العلَّة مزمنة والدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى علَّته موهوم كالكىّ والرقية ، فتركه للتوكَّل كالربيع بن خيثم فإنه أصابه فالج ، فقيل له : لو تداويت ! فقال : لقد هممت ثم ذكرت عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا وكان فيهم الإطبّاء فهلك المداوى والمداوى ولم تغن الرّقى شيئا . أي إن الدواء غير موثوق به . الرابع : أن يقصد العبد ترك التداوي استيفاء للمرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على بلاء اللَّه تعالى وليجرّب نفسه في القدرة على الصبر . الخامس : أن يكون العبد قد سبق له ذنوب وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها فيرى المرض إذا طال تكفيرا ، وترك التداوي خوفا من أن يسرع زوال