تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
تعالى ؛ وكذلك لو لم يزرع الأرض وطمع أنّ اللَّه تعالى يخلق نباتا من غير بذر أو تلد زوجه من غير مباضعة كمريم ، فكلّ ذلك جنون ؛ بل يجب عليه أن يعلم أن اللَّه تعالى خالق الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة ، وأنّه الذي يطعمه ويسقيه ، وأن يكون قلبه واعتماده على فضل اللَّه تعالى لا على اليد والطعام ، فليمدّ يده ويأكل فإنه متوكل . والدرجة الثانية : الأسباب التي ليست متعيّنة ، ولكن الغالب أن المسبّبات لا تحصل دونها واحتمال حصولها دونها بعيد كالذي يفارق الأمصار والقوافل ويسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادرا ويكون سفره من غير استصحاب زاد ، فهذا ليس شرطا في التوكَّل ، بل استصحاب الزاد في البوادي سنّة الأوّلين مع الاعتماد على فضل اللَّه عز وجل لا على الزاد ؛ ولكن فعل ذلك جائز ، وهو من أعلى مقامات التوكل وهو فعل الخواصّ . قال الغزالىّ : فإن قلت : فهذا سعى في الهلاك وإلقاء النفس إلى التّهلكة ، فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراما بشرطين : أحدهما أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها حتى صبرت عن الطعام أسبوعا أو ما يقاربه بحيث إنه لا يناله ضيق قلب ولا تشويش خاطر . والثاني أن يكون بحيث يقوى على التقوّت بالحشيش وما يتّفق من الأشياء الخسيسة ، فإنه لا يخلو غالب الأمر في البوادي في كلّ أسبوع أن يلقاه آدمي أو ينتهى إلى محلَّة أو قرية أو إلى حشيش يتقوّت به ؛ وعلى هذا كان يعوّل الخوّاص ونظراؤه من المتوكَّلين . وقد كان الخوّاص مع توكَّله لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل والركوة ، ويقول : هذا لا يقدح في التوكَّل . وأمّا لو انحاز إلى شعب من شعاب الجبال حيث لا ماء ولا حشيش ولا يطرقه طارق فيه وجلس متوكلا فهو آثم به ساع في إهلاك نفسه .