صادى الجوانح إلا ارتوى من مائه ، وأظهر اللَّه به مثال ما سلف من كرامة أصفيائه ؛ إذ جعل تحت كل نخلة من سراه سريّا ، وجلا به عن الأمّة ظلم الغمّة إذ أطلع منه في أوّل مطالعه المرتقبة محيّا بدريّا . وذلك أنه لما كان في اليوم الفلانىّ وفى النّيل المبارك ستة عشر ذراعا ، ومدّ بحسن صنع اللَّه إلى مصالح البلاد يدا صناعا ؛ وركبنا إلى المقياس الذي تعلم به مواقع الرحمة في كلّ يوم ، وتهدى منه واردات السرور إلى كلّ قوم ؛ ووقفنا به لابسين من رحمة اللَّه تعالى أحسن لباس ، آنسين من أنوار رحمة اللَّه التي أزالت اليأس وأذهبت الباس ، ناظرين إلى أثر رحمة اللَّه التي أحيت الأرض بعد موتها ، ذلك من فضل اللَّه علينا وعلى الناس . وجرى الأمر في التخليق على أجمل عادات البدور ، وعلَّقت ستارة المقياس لا للإخفاء على عادة الأستار ، بل للإشاعة والظهور ؛ واستقرّ حكم المسرّة على السّنن المعهود ، وعاد للناس عيد سرورهم إذ ذاك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود . وركب مولانا السلطان إلى سدّ الخليج والماء قد استطال عليه ، وسرت سرايا أمواجه إليه ، وصدمه بقوّة فاندفع منكسرا بين يديه ؛ فانجبرت القلوب بكسره ، واستوفت الأنفس السّرور بأسره ، وأيقن كل ذي عسر بحصول يسره ؛ وساق اللَّه به الماء إلى الأرض الجرز فأحياها وحيّاها ، ورقّ لوجهها المغبرّ فستر بردائه المحمرّ صفحة محيّاها . كل ذلك وهو - بحمد اللَّه تعالى - آخذ في الازدياد ، جار على وفق المراد إلى حدّه المعتاد ، سالك ببلاغه سبيل أهل البلاغة إذ يهيمون في كلّ واد . وها هو الآن يرتفع إلى كلّ ربوة على جناح النّجاح ، ويخيف السّبل وما عليه حرج ويقطع الطَّرق وليس عليه جناح .
فليأخذ مولانا حظَّه من هذه البشرى التي عمّ بشرها ، ووجب على كل مؤمن شكرها ؛ ويتحقق أنّ هذه بوادر خير تسرى إليه على ركائب السّحائب ، وطلائع خصب هي لديه أقرب غائب وأسرع آئب . واللَّه تعالى يعزّ أنصاره ، ويوالي مبارّه ، بمحمد وآله .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 142
مساهمون: النويري
ص١٤٢