تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
الأرض صعيد ؛ وأسرى منه ركائب السرور إلى الأقطار ففي كلّ ناد من هديره حاد وفى كل برّ من بروره بريد ، وذكَّر بإحياء الأرض بعد موتها إحياء أمواتها ، * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَه قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ ) * ، ونشر ألويته على الثّرى لأهل الأرض بشرا بين يدي رحمته ، * ( وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَه وهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) * ؛ وأقبل بعد نقص عامه الماضي بوجه عليه حمرة الخجل ، وعزم سبق سيفه إلى المحل العذل بل الأجل ، وحزم أدرك الجدب بوجه قبل أن يقول : سآوى إلى جبل ، واستظهار على كلّ ما علا من الأرض حتى إن الهرمين باتا منه على وجل ؛ ومهّد الأرض التي كانت ترقبه فهو لها المنتظر على الحقيقة ، ووطئ بطن القرى فنتج الخصب بينهما وذبح المحل في العقيقة ؛ وقطع الطَّرق فآمن بذلك كلّ حاضر وباد ورائح وغاد ، واتّبعه الرّىّ لا الرّوىّ حتى أضحى كالشعراء يهيم في كل واد ؛ وعمت بركاته على الأرض « فتركن كل قرارة كالدرهم » من الخصب مرتعا ، وأربى على ريّه فيما [ 1 ] سلف من السنين ، فأضحى كهوى ابن أبي ربيعة « يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا » ؛ وتجعّد على الآكام فخيّل للعيون أنها تسيل ، وشيّب مفارق الرّبا ببياض زبده ، وعادة بياض الشيب أن يخضب بورق النيل . وكأنّ ما بقي من المحل قد جعل بينه وبينه سدّا ، وتستّر منه ورآه وهو يملى ويعدّ له عدّا ؛ فصدمه بقلبه وجعله دكَّا إذ جاء أمر ربه وأدركه وملكه ، وسفك دمه فجرى مستطيلا إذ سفكه ؛ ووفى بما وعد من ظفره ، وأتى لنصرة الخصب من مكان بعيد فأسفر عن النّجح وجه سفره ، وأسبل على مقياسه ستر السرور لإخفاره ذمّة الجدب لا لخفره ، وبشّر مصره بنصرة سرايا السحائب
هامش
[ 1 ] في الأصل : « وأربى على ريه ما سلف من السنين » وظاهر أنه غير مستقيم . ويجوز أن يكون الأصل : « وأربى ريه على ما سلف » فحدث فيه تقديم وتأخير من الناسخ .