وسرّه بنبأ النيل الذي عمّ نيلا ، وجرّ على وجه الأرض ملاءة ملأته ، فشمّر المحل للرّحلة ذيلا ، وجرّد على الجدب سيف خصبه فسال محمرّ دمه على وجه الصّعيد سيلا ، وجرى وسرى في ضياء إشراقه وظلمة تراكمه إلى الأرض التي بارك به حولها ، فجلّ من أجراه نهارا وسبحان من أسرى به ليلا . صدرت هذه المكاتبة إليه - أعزّه اللَّه تعالى - ونعم اللَّه قد عمّت ، وآلاؤه مع تحقّق المزيد قد تمّت ، وموادّ فضله قد أمّت الأقطار فقامت صلاة الصّلات إذ أمّت ؛ وكلمة الخصب قد نمت في الآفاق ، فوشت بمكنون حديثها للأرض ونمّت ؛ والخصب قد أقبل على الجدب فلم يكن له بمقاومته قبل ، وطوفان الرّحمة قد طبق الوهاد ، فلم يغن المحل أن قال : سآوى منه إلى جبل . والسيل قد بلغ في تتبّع بقايا القحط الزّبى ، والنّيل قد عمّ بنيله الأرض حتى كلَّل مفارق الآكام وعمّم رؤس الرّبا ؛ وحمى الأرض من تطرّق المحول إليها فأصبحت منه في حرم ، وظهرت به عجائب القدرة ، ومنها أنّ ابن الستة عشر بلغ إلى الهرم ، وبثّ جوده في الوجود فلو صوّر نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم ؛ وتلقّت منه النفوس أبهج محبوب طرد ممقوتا ، ووثقت من حمرته بالغنى والمنى إذ لم تدر أياقوتا تشاهد منه أم قوتا . وجرى في الوفاء على أكمل ما ألف من عادته ، وظهر بإشراقه وعموم نفعه ظهور الشّمس فألقى على الأرض أشعّة سعادته ؛ وأقبلت به على الخلق بوادر الإقبال ، وركب الناس منه في سفن النجاح والنجاة فهي تجرى بهم في موج كالجبال . وبلَّغ اللَّه به المنافع فزعزع الشّمّ ولم يتجاسر على الجسور ، وأمن الناس به طروق المحل المطرود به عنهم فضرب بينهم بسور ، وأقطع الخصب الأرض كلها فله في كل بقعة مثال مرئىّ ومنشور منشور ، وبعث إلى كل عمل من سرايا جوده عارضا مغضبا على المحل ما يخطر إلَّا وسيفه مشهور ؛ وأودع بطن الثّرى موادّ ثرائه ، واستقبل الورى بوجه ما تأمّله امرؤ
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 141
مساهمون: النويري
ص١٤١