تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
سفهه وبذاء لسانه ، وما أراه لمعروفك أهلا . فإن أحسنت اليه فلا تحسبه علىّ يدا ، وإن لم تحسن اليه لم أعدّه عليك ذنبا ، والسلام . فركب أبو العيناء إلى الجاحظ وقال له : قد قرأت الكتاب يا أبا عثمان . فخجل الجاحظ وقال : يا أبا العيناء ، هذه علامتي فيمن أعتنى به . قال : فإذا بلغك أنّ صاحبي قد شتمك فآعلم أنها علامته فيمن شكر معروفه . وقال أبو العيناء : مررت يوما بدرب بسامرّاء ؛ فقال لي غلامي : يا مولاي ، في الدرب حمل سمين والدرب خال . فأمرته أن يأخذه وغطَّيته بطيلسانى وصرت به إلى منزلي . فلما كان من الغد جاءتني رقعة من بعض رؤساء ذلك الدرب مكتوب فيها : جعلت فداك ، ضاع لنا بالأمس حمل ، فأخبرني صبيان دربنا أنك أنت سرقته ، فأمر بردّه متفضّلا . قال أبو العيناء : فكتبت اليه : أي سبحان اللَّه ! ما أعجب هذا الأمر ! مشايخ دربنا يزعمون أنك بغّاء وأكذّبهم ولا أصدّقهم ، وتصدّق أنت صبيان دربكم أنى سرقت الحمل ! . قال فسكت وما عاودنى . ولأبى العيناء أخبار كثيرة وحكايات مشهورة قد أوردنا منها ما يدخل في هذا الباب وتركنا ما سواه .

ذكر ما ورد في كراهة المزح

روى عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من مزح استخفّ به » . وقال حكيم : خير المزاح لا ينال ، وشرّه لا يقال ؛ سكرات الموت به محدقة ، وعيون الآجال اليه محدّقة . وقال آخر : تجنّب شؤم الهزل ونكد المزاح ؛ فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد عسر ، وفحلان إذا لقحا لم ينتجا غير ضرّ . وقالوا : المزاح يضع قدر الشريف ، ويذهب هيبة الجليل . وقالوا : لا تقل ما يسوءك عاجله ، ويضرّك آجله . وقالوا : إيّاك وما يستقبح من الكلام ، فإنه ينفر عنك
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 72 | النويري