فلا تك واثقا أبدا بعمد
فقد يأتي القضاء بغير عمدك
ثم قال : أجل ! الناس قد ذهبوا ، فلو رآني الموتى لطربوا لدخول مثلي عليهم ، وحلول عقلي لديهم ، ووصول فضلى إليهم ؛ فما زال الموتى يغبطونكم ويرحموننى بكم .
وقال : واتّصلت أشغال أبى الصّقر الوزير ، فتأخّر توقيعه عن أبي العيناء برسومه . فكتب اليه : رقعتى ، أطال اللَّه بقاء الوزير ، رقعة من علم شغلك فاطَّرح عدلك ؛ وحقّق أمرك فبسط عدرك . أمّا والليل إذا عسعس ، فالبنان لبنات الدّنان ، وملامسات الحسان ؛ وأمّا والصبح إذا تنفّس ، فالبنان للعنان ، ومؤامرات السلطان ؛ فمن أبو العيناء القرنان « 1 » ! . فوقّع أبو الصّقر تحت سطوره :
لكل طعام مكان ، ولكل معوز إمكان ؛ وقد وقّعنا لك بالرسوم ، وجعلنا لك حظَّا من المقسوم ؛ وكفينا أنفسنا عذرك الذي هو تعزير ، ولسانك الذي هو تحذير .
والسلام .
ثم لقيه أبو العيناء في صدر موكبه فقال : طاعة شيمك لسلطان كرمك ، ألزمتك الصبر على ذنوبي إليك ، وتجنّى خلقي عليك . فقال أبو الصقر : كبير حسناتك ، يستغرق يسير سيئاتك . فدعا له وانصرف شاكرا . قال : وبسط أبو العيناء لسانه على أهله في بعض الدواوين . فقال له فتى من أبناء الكتّاب كانت فيه جرأة : كلّ الناس لك يا أبا العيناء زوجة ، وأنت زوجة أبى علىّ البصير . فقال له أبو العيناء :
قد ملكنا عصمتك بيقين فحواك ، ثم ننظر في شكوك دعواك ، وقد طلَّقت الناس كلهم سواك ؛ ذلك أدنى ألَّا نعول ، وفيك ما يروى الفحول ، ويتجاوز السول .
قال : ففضحه بهذا الكلام ، فلم يجبه . قال : وكان في بنى الجراح فتى خليع ما جن فأراد العبث بأبى العيناء ؛ فنهاه نصحاؤه فأبى ؛ فقالوا : شأنك . فقال له :
هامش
« 1 » القرنان : من لا غيرة له .