دنا الغلام منه وشمّه وثب وقال : هذا واللَّه لا يشاكله شئ . فصحت به : لا تعجل علىّ بالحكم ، مكانك ! ثم دنوت منه فألقمت أنفه إبطى حتى علمت أنه قد خالط دماغه وأنا ممسك رأسه تحت يدي ؛ فصاح : الموت واللَّه ! هذا بالكنف أشبه منه بالإبط . فضحك عبد الملك ثم قال : أفحكمت له ؟ قال نعم . فأخذت الدنانير .
قال : ودخلت يوما على سليمان بن عبد الملك . فلما مثلت بين يديه قلت :
رأيتك في المنام شتنت « 1 » خزّا
علىّ بنفسجا وقضيت ديني
فصدّق يا فدتك النفس رؤيا
رأتها في المنام لديك عيني
قال سليمان : يا غلام ، أدخله خزانة الكسوة واشتن عليه كلّ ثوب خزّ بنفسجىّ ، فخرجت كأني مشجب « 2 » . ثم قال : كم دينك ؟ قلت : عشرة آلاف ؛ فأمر لي بها وما أعلم واللَّه أنّى رأيت من ذلك شيئا .
ذكر شئ من نوادر أبى العيناء عفا اللَّه عنه
هو محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان ، من بنى حنيفة أهل اليمامة .
وأسر ياسر في سباء في خلافة المنصور . فلما صار في يد المنصور أعتقه ؛ فهم موالى بني هاشم . وكان أبو العيناء ضرير البصر ، يقال : إنّ جدّه الأكبر لقى علىّ بن أبي طالب رضى اللَّه عنه فأساء مخاطبته فدعا عليه وعلى ولده بالعمى ؛ فكلّ من عمى منهم فهو صحيح النسب . وهو ممن اشتهر بالمجون ، وله نوادر وحكايات مستظرفة ، ومراسلات عجيبة ، سأورد منها طرفا ، وأسطَّر طرفا . فمن ذلك : أنّ بعض الرؤساء قال له : يا أبا العيناء ، لو متّ لرقص الناس طربا وسرورا . فقال بديهة :
أردت مذمّتى فأجدت مدحي
بحمد اللَّه ذلك لا بحمدك
هامش
« 1 » شتنت : نسجت وحكت .
« 2 » المشجب : خشبات تنصب لتوضع عليها الثياب .