الضيعة ؟ فقال : ويحك ! ما هو واللَّه إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها وصارت مثل ما حويت قديما . فقلت : سبحان اللَّه ! فتصنع ماذا ؟ قال : قم حتى ألقى عليك صوتا صنعته يفوق ذاك . فقمت فجلست بين يديه ؛ فألقى علىّ :
ويفرح بالمولود من آل برمك
بغاة النّدى ، والسيف والرمح والنصل
وتنبسط الآمال فيه لفضله
ولا سيما إن كان والده الفضل
قال مخارق : فلما ألقى علىّ الصوت سمعت ما لم أسمع مثله قطَّ وصغر في عيني الأوّل ، فأحكمته . ثم قال : امض الساعة إلى الفضل بن يحيى ، فإنك تجده لم يأذن لأحد بعد وهو يريد الخلوة مع جواريه اليوم ؛ فاستأذن عليه وحدّثه بحديثنا وما كان من أبيه إلينا ، وأعلمه أنى صنعت هذا الصوت وكان عندي أرفع منزلة من الصوت الأوّل الذي صنعته بالأمس ، وأنى ألقيته عليك حتى أحكمته ووجّهت بك قاصدا لتلقيه على فلانة جاريته . فصرت إلى باب الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر ، فاستأذنت فوصلت إليه ؛ وسألني عن الخبر ، فأعلمته بخبري وما وصل إلىّ وإليه من المال ؛ فقال : أخرى اللَّه إبراهيم ! ما أبخله على نفسه ! ثم دعا خادما فقال له :
اضرب السّتارة ، فضربها ؛ فقال لي : ألقه . فلما ألقيته وغنّته الجارية لم أتمّه حتى أقبل يجرّ مطرفه ، ثم قعد على وسادة دون الستارة وقال : أحسن واللَّه أستاذك وأحسنت أنت يا مخارق . ولم أبرح حتى أحكمته الجارية ؛ فسرّ بذلك سرورا عظيما وقال : أقم عندي اليوم . فقلت : يا سيّدى إنما بقي لنا يوم واحد ، ولولا أنّنى أحبّ سرورك لم أخرج من منزلي . فقال : يا غلام ، احمل مع أبي المهنّأ عشرين ألف درهم وإلى أبي إسحاق مائتي ألف درهم . فانصرفت إلى منزلي بالمال ، وفتحت بدرة ونثرت منها على الجواري وشربت وسررت أنا ومن عندي يومنا .
فلما أصبحت بكَّرت إلى إبراهيم أتعرّف خبره وأعرّفه خبري ، فوجدته على الحال