تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
يبكى ، ثم قال : يا دواء المجانين ، لقد رققت حتى كدت أن أحسوك ، فلو كان الغناء طعاما لكان غناؤك أدما ، ولو كان شرابا لكان ماء الحياة . وقال أبو الفرج عن عمر بن شبّة قال : حدّثنى بعض آل نوبخت قال : كان أبى وعبد اللَّه بن أبي سهل وجماعة من آل نوبخت وغيرهم وقوفا بكناسة الدّوابّ في الجانب الغربىّ ببغداد يتحدّثون ، وإنهم لكذلك إذ أقبل مخارق على حمار أسود وعليه قميص رقيق ورداء مسهّم ؛ فقال : فيم كنتم ؟ فأخبروه . فقال : دعونا من وسواسكم هذا ، أىّ شئ لي عليكم إن رميت بنفسي بين قبرين من هذه القبور وغطَّيت وجهي وغنّيت صوتا فلم يبق أحد بهذه الكناسة ولا في الطريق من مشتر ولا بائع ولا صادر ولا وارد إلا ترك عمله وقرب منّى واتّبع صوتي ؟ فقال عبد اللَّه : إني لأحبّ أن أرى هذا ، فقل ما شئت . فقال مخارق : فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه . قال : هو لك إن فعلت ما قلت . قال : فرمى بنفسه بين قبرين وتغطَّى بردائه ، ثم اندفع يغنّى بشعر أبى العتاهية :
نادت بوشك رحيلك الأيّام أفلست تسمع أم بك استصمام ومضى أمامك من رأيت وأنت لل باقين حتى يلحقوك أمام مالي أراك كأنّ عينك لا ترى عبرا تمرّ كأنهنّ سهام تمضى الخطوب وأنت منتبه لها فإذا مضت فكأنها أحلام
قال : فرأيت الناس يأتون إلى المقبرة أرسالا بين راكب وراجل وصاحب شغل ومار في الطريق حتى لم يبق أحد . ثم قال لنا من تحت ردائه : هل بقي أحد ؟ قلنا : لا ، وقد وجب الرّهن . فقام فركب حماره ، وعاد الناس إلى صنائعهم ؛ وقال لعبد اللَّه : أحضر الفرس ؛ قال : على أن تقيم عندي ؛ قال نعم ! فسلَّم الفرس إليه وبرّه وأحسن رفده .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 317 | النويري