أحد ، ومشى في المجلس إلى أن توسّط الدار ؛ فلما رأيته بادرت إليه ؛ فقال لي :
ويلك ! هل حدث في دارى شئ ؟ فقلت : لا يا سيّدى . قال : فما بالى أصيح فلا أجاب ؟ فقلت : مخارق يغنّى والغلمان قد اجتمعوا اليه فليس فيهم فضل لسماع غير ما يسمعونه . فقال : عذر واللَّه لهم يا بن حمدون وأىّ عذر ! ثم جلس وجلسنا بين يديه إلى السّحر . وقد روى نحو هذه الحكاية في أمر الغلمان مع مخارق عند المعتصم . وقال محمد بن عبد الملك الزيّات : قال لي الواثق : ما غنّانى مخارق قط إلا قدّرت أنه من قلبي خلق . وكان يقول : أتريدون أن تنظروا فضل مخارق على جميع أصحابه ؟ انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السّماط ، فكانوا يتفقّدونهم وهم وقوف فكلَّهم يسمع الغناء من المغنّين جميعا وهو واقف مكانه ضابط لنفسه ، فإذا تغنّى مخارق خرجوا عن صورهم فتحرّكت أرجلهم ومناكبهم وبانت أسباب الطرب فيهم ، وازدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه .
وحكى أنّه خرج مرّة إلى باب الكناسة بمدينة السلام والناس يرحلون إلى مكة ؛ فنظر إلى كثرتهم وازدحامهم ، فقال لأصحابه الذين معه : قد جاء في الخبر أنّ ابن سريج كان يغنّى في أيام الحجّ والناس يمشون فيستوقفهم بغنائه ، وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم جميعا لتعلموا أنّه لم يكن ليفضلنى إلَّا بصنعته دون صوته ؛ ثم اندفع يؤذّن ، فاستوقف أولئك الخلق واستلهاهم ، حتى جعلت المحامل يغشى بعضها بعضا .
قالوا : وجاء أبو العتاهية إلى باب مخارق وطرقه فخرج اليه ؛ فقال له : يا حسّان هذا الإقليم ، يا حكيم أرض بابل ، أصبب في أذني شيئا يفرح به قلبي وتتنّعم به نفسي - وكان في جماعة منهم محمد بن سعيد اليزيدىّ - فقال : انزلوا ، فنزلوا ، فغنّاهم .
فقال محمد بن سعيد : فكدت أسعى على وجهي طربا . قال : وجعل أبو العتاهية
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 316
مساهمون: النويري
ص٣١٦