تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
قال : فحبس الناس واضطربت المحامل ومدّت الإبل أعناقها ، فكادت الفتنة أن تقع . فأتى به هشام بن عبد الملك ، فقال له : يا عدوّ اللَّه ! أردت أن تفتن الناس ! قال : فأمسك عنه وكان تيّاها ؛ فقال له هشام : ارفق بتيهك . فقال : يحقّ لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تيّاها ! فضحك هشام وخلَّى سبيله . واختلف في وفاة ابن عائشة وسببها . فقيل : كانت وفاته في أيام هشام بن عبد الملك ، وقيل : في أيام الوليد بن يزيد وهو أشبه ، لأنه قد تقدّم أنه نادم الوليد وغنّاه . والذي يقول : إنه توفّى في أيام هشام يزعم أنه نادم الوليد في أيام ولايته العهد . وكانت وفاته بذى خشب ، وهو على أميال من المدينة . قيل : كان سبب وفاته أن الغمر بن يزيد خرج إلى الشأم ؛ فلما نزل قصر ذي خشب جلس على سطحه ، فغنى ابن عائشة صوتا طرب له الغمر ، فقال : أعده فأبى ، وكان لا يردّد صوتا لسوء خلقه . فأمر به فطرح من أعلى السطح فمات . وقيل : بل قام من الليل يبول وهو سكران فسقط من السطح فمات . وقيل : بل كان قد رجع من عند الوليد بن يزيد ، فلما قرب من المدينة نزل بذى خشب ، وكان والى المدينة إبراهيم بن هشام المخزومىّ وكان في قصره هناك ، فدعاه فأقام عنده ذلك اليوم . فلما أخذوا في الشّرب أخرج المخزومىّ جواريه ، فنظر إلى ابن عائشة وهو يغمز جارية منهنّ ؛ فقال لخادمه : إذا خرج ابن عائشة يريد حاجته فارم به من القصر ، وكانوا يشربون في سطح القصر ، فلما قام رماه الخادم فمات . وقيل : بل أقبل من الشأم فنزل بقصر ذي خشب فشرب فيه ثم صعد إلى أعلى القصر فنظر إلى نسوة يمشين في ناحية الوادي ، فقال لأصحابه : هل لكم فيهنّ ؟ فقالوا : وكيف لنا بهنّ ! فلبس ملاءة مدلوكة ثم قام على شرفة من شرفات القصر وتغنّى بشعر ابن أذينة :
وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا