وما ذقته غير ظنّ به
وبالظنّ يقضى عليك الحكم
وكان مصعب قريبا منهن ومعه إخوان له ، فقام فانتقل حتى دنا منهنّ والستور مسبلة ، فصاح بها : يا هذه ، إنا قد ذقناه فوجدناه على ما وصفت ، فبارك اللَّه فيك يا عزة ، ثم أرسل إلى عائشة : أمّا أنت فلا سبيل لنا إليك مع من عندك ، وأمّا عزّة فتأذنين لها أن تغنّينا هذا الصوت ثم تعود إليك ، ففعلت وخرجت عزّة إليهم فغنّتهم هذا الصوت مرارا ، وكاد مصعب أن يذهب عقله فرحا . ثم قال لها : يا عزّة ، إنك لتحسنين القول والوصف ، وأمرها بالعود إلى مجلسها .
قال : ولم تزل عند مصعب حتى قتل عنها . فخطبها بشر بن مروان ، وقدم عمر ابن عبيد اللَّه بن معمر التّيمى من الشأم فنزل الكوفة ، فبلغه أن بشرا خطبها ، فأرسل إليها جارية لها وقال : قولي لابنة عمّى : ابن عمك يقرئك السلام ويقول لك :
أنا خير لك من هذا المبسور المطحول ، وأنا ابن عمك أحقّ بك ، وإن تزوجت بك ملأت بيتك خيرا . فتزوّجته فبنى عليها بالحيرة ، فمهّدت له سبعة أفرشة عرضها أربع أذرع ؛ فأصبح ليلة بنى بها عن تسعة . فلقيته مولاة لها فقالت :
أبا حفص ، فديتك ! قد كملت في كلّ شئ حتى في هذا . وقيل إنه لمّا تزوّجها حمل إليها ألف ألف درهم ، خمسمائة ألف مهر ، وخمسمائة ألف هديّة ، وقال لمولاتها :
لك علىّ ألف دينار إن دخلت بها الليلة ، وأمر بالمال فحمل فألقى في الدار وغطَّى بالثياب ؛ وخرجت عائشة فقالت لمولاتها : ما هذا ؟ أفرش أم ثياب ؟ قالت :
انظرى إليه ؛ فنظرت فإذا هو مال ، فتبسّمت . فقالت الجارية : أجزاء من حمل هذا المال أن يبيت عزبا ! قالت : لا واللَّه ، ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزيّن له وأستعدّ . قالت : وماذا ؟ فو اللَّه لوجهك أحسن من كلّ زينة وما تمدّين يديك إلى طيب أو ثوب أو مال أو فراش إلا وهو عندك ، وقد عزمت عليك أن تأذنى له .