تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
من ذا فديتك يستطيع لحبه دفعا إذا اشتملت عليه ضلوع
فقلت : بنفسي أنت واللَّه ، من لا يكلّ ولا يملّ ! واللَّه ما جهل من فهمك ، اركب بنا فدتك نفسي . قال : أمهلني كما أمهلتك أقض بعض شأني . فقلت : وهل عما تريد مدفع ! . فقام فصلَّى ركعتين ثم ضرب بيده إلى الشجرة وقال : أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله . ثم مضينا والقوم مستشرفون . فلما دنونا منهم إذا الغريض يغنّيهم :
من خيل حىّ لا تزال مغيرة سمعت على شرف صهيل حصان
فبكى ابن سريج حتى ظننت أن نفسه قد خرجت . فقلت : ما يبكيك يا أبا يحيى ؟ جعلت فداك لا يسوءك اللَّه ولا يريك سوءا « 1 » ! قال : أبكاني هذا المخنّث بحسن غنائه وشجا صوته ، واللَّه ما ينبغي لأحد أن يغنّى وهذا الصبىّ حىّ ؛ ثم نزل واستراح وركب . فلما سرنا هنيهة اندفع الغريض يغنّى لهم بلحنه :
يا خليلىّ قد مللت ثوائى بالمصلَّى وقد سئمت البقيعا بلَّغانى ديار هند وسعدى وارجعانى فقد هويت الرجوعا
قال : ولصوته دوىّ في تلك الجبال . فقال ابن سريج : يا بن بركة ، أسمعت مثل هذا الغناء قط ؟ ! قال : ونظروا إلينا فأقبلوا نشاوى يسحبون أعطافهم وجعلوا يقبلَّون وجه ابن سريج . فنزل فأقام عندهم ثلاثا ، والغريض لا ينطق بحرف ، وأخذوا في شرابهم وقالوا : يا حبيب النفس وشقيقها ، أعطها بعض شأنها « 2 » . فضرب بيده إلى جيبه « 3 » فأخرج منه مضرابا ثم أخذه بيده ووضع العود في حجره - فما رأيت [ يدا « 4 » ] أحسن من يده
هامش
« 1 » في الأصول : « واللَّه لا يسوءك هذا ولا يريك صوءا » . والتصويب عن الأغانى . « 2 » في الأغانى : « بعض مناها » . « 3 » كذا في الأغانى . وفي الأصل : « إلى جنبه » . « 4 » الزيادة عن الأغانى .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 260 | النويري