ابن عبد الملك ، فأعطاه حلَّته وخاتمه وقال : خذهما ولا تخدع فيهما فإن شراءهما ألف وخمسمائة دينار ؛ فعاد ابن سريج بهما فأعطاهما لعمر بن أبي ربيعة وقال :
هما بك أشبه منهما بي ، فأخذهما وعوّضه عنهما ثلاثمائة دينار ؛ وغدا فيهما إلى المسجد ، فعرفهما الناس وجعلوا يتعجّبون ويسألون عمر عنهما ؛ فيخبرهم أن يزيد بن عبد الملك كساه ذلك . وقيل : إن عمر بن عبد العزيز مرّ به فسمع ابن سريج وهو يغنّى ، فقال : للَّه درّ هذا الصوت لو كان بالقرآن ! .
قال إبراهيم بن المهدىّ : كان ابن سريج رجلا عاقلا أديبا ، وكان يعاشر الناس بما يشتهون فلا يغنّيهم بما مدح به أعداؤهم ولا بما فيه عار عليهم أو غضاضة منهم .
ومن أخباره ما حكاه أبو الفرج الأصبهاني بإسناده ، قال : كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إلىّ ابن سريج ، فأشخصه إليه . فلما قدم مكث أياما لا يدعوه ولا يلتفت إليه ، ثم ذكره فاستحضره ، فدخل عليه وسلَّم فأذن له بالجلوس واستدناه حتى كان قريبا منه ؛ فقال : ويحك يا عبيد ! لقد بلغني عنك ما حملني على الوفادة بك من كثرة أدبك وجودة اختيارك مع ظرف لسانك وحلاوة مجلسك . قال : جعلت فداءك يا أمير المؤمنين ! « تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه « 1 » » ، قال الوليد : إني لأرجو ألا تكون أنت ذاك ، ثم قال : هات ما عندك ؛ فاندفع يغنّى بشعر الأحوص :
وإنّى إذا حلَّت ببيش « 2 » مقيمة
وحلّ بوجّ « 3 » جالسا أو تتهما
هامش
« 1 » هذى إحدى روايات المثل ، حكاها الميداني في مجمع الأمثال ، والرواية المشهورة وهى التي صدّرت بها هذه الروايات ( تسمع بالمعيدى خير من أن تراه ) .
« 2 » بيش ( بالفتح ) : أحد مخاليف اليمن . وبيش ( بالكسر ) : من بلاد اليمن أيضا قرب دهلك .
« 3 » كذا في الأغانى ( ج 1 ص 298 طبع دار الكتب المصرية ) ووج : اسم واد بالطائف بالبادية وفي الأصول : « بوح » بالحاء المهملة . ووح : قبل إنها ناحية بعمان . وجالسا : أتى الجلس وهو نجد . وتتهم : أتى تهامة .