إلى فارس فأخذ غناء كثيرا وتعلَّم الضرب ، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النّغم وألقى منها ما استقبحه من النّبرات والنّغم ؛ وكان أوّل من فعل ذلك ، وتبعه الناس بعد ؛ وعلَّم ابن سريج ، وعلَّم ابن سريح الغريض . قالوا : وكان في صباه فطنا ذكيّا ، وكان مولاه معجبا به ، فكان يقول : ليكونن لهذا الغلام شأن ، وما يمنعني من عتقه إلَّا حسن فراستى فيه ، ولئن عشت لأتعرّفنّ ذلك ، وإن متّ قبله فهو حرّ . فسمعه مولاه يوما يتغنّى بشعر ابن الرّقاع يقول :
ألمم على طلل عفا متقادم
بين الذّؤيب « 1 » وبين غيب النّاعم
لولا الحياء وأنّ رأسي قد عسا
فيه المشيب لزرت أمّ القاسم
فدعاه مولاه فقال : أعد يا بنىّ ؛ فأعاده فإذا هو أحسن مما ابتدأ به ، وقال :
إنّ هذا لبعض ما كنت أقول . ثم قال له : أنّى لك هذا ؟ قال : سمعت هذه الأعاجم تتغنّى بالفارسيّة فقلبتها في هذا الشعر . قال : فأنت حرّ لوجه اللَّه . فلزم مولاه وكثر أدبه واتّسع في غنائه وشهر بمكة وأعجبوا به . فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج وقال : يا بنىّ علَّمه واجتهد فيه . وكان ابن سريج أحسن الناس صوتا ، فتعلَّم منه ثم برّز عليه . وقد قيل : إنه إنما سمع الغناء من الفرس لمّا أمر معاوية ببناء دوره بمكة التي يقال لها « الرّقط » ، وكان قد حمل إليها بنّائين من الفرس الذين كانوا بالعراق فكانوا يبنونها ، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع غناءهم على بنائهم ؛ فما استحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى الشعر العربىّ ، ثم صاغ على نحو ذلك . وكان من قديم غنائه الذي صنعه على تلك الألحان شعر الأحوص ، وهو :
أسلام إنك قد ملكت فأسجحى
قد يملك الحرّ الكريم فيسجح
منّى على عان أطلت عناءه
في الغلّ عندك والعناة تسرّح
هامش
« 1 » في الأصل : « الدكيك » . والتصويب عن معجم ياقوت ( ج 2 ص 725 طبع أوروبا ) .