تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وروى أيضا بسنده إلى خارجة بن زيد أنه قال : دعينا إلى مأدبة في آل نبيط ، فحضرنا وحضر حسان بن ثابت ، فجلسنا جميعا على مائدة واحدة وهو يومئذ قد ذهب بصره ومعه ابنه عبد الرحمن ، وكان إذا أتى بطعام سأل ابنه عبد الرحمن أطعام يد أم طعام يدين ؟ ( يعنى بطعام اليد الثريد ؛ وطعام اليدين الشواء لأنه ينهش نهشا ) فإذا قال : طعام يد أكل ، وإذا قال : طعام يدين أمسك يده . فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين مغنّيتين إحداهما « رائقة » والأخرى « عزّة » فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضربا عجيبا وغنّتا بقول حسان بن ثابت :
انظر خليلي بباب جلَّق هل تؤنس دون البلقاء من أحد
قال : فأسمع حسان يقول : قد أراني هناك « 1 » سميعا بصيرا ، وعيناه تدمعان ، فإذا سكتتا سكن عنه البكاء وإذا غنّتا يبكى . قال : وكنت أرى عبد الرحمن ابنه إذا سكتتا يشير إليهما أن غنّيا ، فيبكى أبوه ، فيقال : ما حاجته إلى بكاء أبيه ! . وروى أيضا بسنده إلى عبّاد بن عبد اللَّه بن الزّبير عن شيخ من قريش قال : إني وفتية من قريش عند قينة ومعنا عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت إذ استأذن حسان ، فكرهنا دخوله وشقّ علينا ؛ فقال لنا عبد الرحمن ابنه : أيسرّكم ألَّا يجلس ؟ قلنا نعم . قال : فمروا هذه إذا نظرت اليه أن تغنّى :
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهرّ كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
قال : فغنّته ، فو اللَّه لقد بكى حتى ظنّنا أنه سيلفظ نفسه . ثم قال : أفيكم الفاسق ؟ لعمري لقد كرهتم مجلسي اليوم . وقام فانصرف . وهذا الشعر لحسان بن
هامش
« 1 » في الأغانى ( ج 16 ص 15 ) : « بها » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 192 | النويري