فإن هذه الأحوال قد تتكلَّف مباديها ثم تتحقّق أواخرها . وكيف لا يكون التكلَّف سببا في أن يصير المتكلَّف بالآخرة طبعا ، وكل من يتعلَّم القرآن أوّلا يحفظه تكلَّفا ويقرؤه تكلَّفا مع تمام التأمّل وإحضار الذهن ثم يصير ذلك ديدنا للسان مطَّردا حتى يجرى به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه قرأها في حال غفلته . وذكر أبو حامد أمثلة نحو ذلك ثم قال : وكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها ، بل ينبغي أن يتكلَّف اجتلابها بالسماع وغيره ؛ فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصا ولم يكن يعشقه فلم يزل يردّد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرّر على نفسه الأوصاف المحبوبة إليه والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخا خرج عن حدّ اختياره ، واشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلَّص ، فكذلك حبّ اللَّه تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة إذا فقدها الإنسان فينبغي أن يتكلَّف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها ، ومشاهدة أحوالهم ، وتحسين صفاتهم في النفس ، وبالجلوس معهم في السماع ، وبالدعاء والتضرّع إلى اللَّه تعالى في أن يرزقه تلك الحالة بأن يسّر له أسبابها ؛ ومن أسبابها السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحبّين والمشتاقين والخاشعين ؛ فمن جالس شخصا سرت إليه صفاته من حيث لا يدرى . ويدلّ على إمكان تحصيل الحبّ وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في دعائه : « اللهمّ ارزقني حبّك وحبّ من أحبّك وحبّ من يقرّبنى إلى حبّك » . فقد فزع « 1 » إلى الدعاء في طلب الحبّ .
قال : فهذا بيان انقسام الوجد إلى مكاشفات وإلى أحوال ، وانقسامه إلى ما يمكن الإيضاح عنه وإلى ما لا يمكن ، وانقسامه إلى المتكلَّف وإلى المطبوع .
هامش
« 1 » في الأصل : « نزع » والتصويب عن الإحياء .