تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
المقام الثالث - في آداب السماع ظاهرا وباطنا ، وما يحمد من آثار الوجد ويذمّ . قال الإمام أبو حامد رحمه اللَّه تعالى : فأما الآداب فهي خمس جمل : الأوّل - مراعاة الزمان والمكان والإخوان . قال الجنيد : السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع : الزمان والمكان والإخوان . قال الغزالىّ : ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام أو خصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه ، فهذا معنى مراعاة الزمان ، فيراعى فراغ القلب . والمكان قد يكون شارعا مطروقا أو موضعا كريه الصورة أو فيه سبب يشغل القلب فيتجنّب ذلك . وأما الإخوان فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهّد الظاهر مفلس من لطائف القلوب كان مستثقلا في المجلس واشتغل القلب به ، وكذا إذا حضر متكبّر من أهل الدنيا فيحتاج إلى مراقبته ومراعاته ، أو متكلَّف متواجد من أهل التصوّف يرائى بالوجد والرقص وتمزيق الثوب ، فكل ذلك مشوّشات ، فترك السماع عند فقد هذه الشروط أولى . الثاني - وهو نظر للحاضرين ، أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرّهم السماع فلا ينبغي أن يسمع في حضورهم ؛ فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر . والمريد الذي لا يستفيد بالسماع أحد ثلاثة : أقلَّهم درجة هو الذي لم يدرك من الطريق إلا الأعمال الظاهرة ولم يكن له ذوق السماع ؛ فاشتغاله بالسماع اشتغال بما لا يعنيه ؛ فإنه ليس من أهل اللهو فيلهو ، ولا من أهل الذوق فيتنعّم بذوق السماع ؛ فليشتغل بذكر أو خدمة وإلا فهو مضيّع لزمانه . الثاني : هو الذي له ذوق ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى الشهوات والصفات البشريّة ولم ينكسر بعد انكسارا تؤمن غوائله ، فربما يهيّج السماع منه داعية اللَّهو والشهوة فينقطع طريقه ويصدّه عن الاستكمال .