تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
الفرق ولا يمكنه التعبير عنه . وإدراكه الفرق علم يصادفه في قلبه بالذوق . ولا شك أنّ لوقوعه في قلبه سببا ، وله عند اللَّه تعالى حقيقة ، ولا يمكنه الإخبار عنه لقصور في لسانه بل لدقة المعنى أن تناله العبارة . وأمّا الحال فكم من إنسان يدرك في قلبه في الوقت [ الذي يصبح فيه « 1 » ] قبضا أو بسطا ولا يعلم سببه ، وقد يتفكر في شئ فيؤثّر في نفسه أثرا فينسى ذلك السبب ويبقى الأثر في نفسه وهو يحسّ به . وقد تكون الحالة التي يحسّها سرورا يثبت في نفسه بتفكره في سبب موجب للسرور ؛ أو حزنا فينسى المتفكر فيه ويحس بالأثر عقيبه . وقد تكون تلك الحال حالة غريبة لا يعرب عنها لفظ السرور والحزن ولا يصادف لها عبارة مطابقة مفصحة عن المقصود ؛ بل ذوق الشعر الموزون والفرق بينه وبين غير الموزون يختصّ به بعض الناس دون بعض ، وهى حالة يدركها صاحب الذوق بحيث لا يشك فيها ( أعنى التفرقة بين الموزون والمنزحف ) ولا يمكنه التعبير عنها بما يتّضح به مقصوده لمن لا ذوق له . وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها بل المعاني المشهورة من الخوف والحزن والسرور إنما تحصل في السماع عن غناء مفهوم . فأمّا الأوتار وسائر النغمات التي ليست مفهومة فإنها تؤثّر في النفس تأثيرا عجيبا ، ولا يمكن التعبير عن عجائب تلك الأوتار ، وقد يعبّر عنها بالشوق ، ولكن شوق لا يعرف صاحبه المشتاق إليه ، فهذا عجيب . والذي اضطربت نفسه بسماع الأوتار والشاهين وما أشبهه ليس يدرى إلى ماذا يشتاق ، ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمرا ليس يدرى ما هو ، حتى يقع ذلك للعوامّ ومن لا يغلب على قلبه لا حبّ آدمىّ ولا حبّ اللَّه تعالى . وهذا له سرّ ، وهو أنّ كل شوق فله ركنان : أحدهما صفة المشتاق وهو نوع مناسبة مع المشتاق إليه . والثاني معرفة المشتاق إليه ومعرفة صورة
هامش
« 1 » الزيادة عن الإحياء .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 181 | النويري