وكان بعضهم يقول لولده إذا رأى حرصه في الطعام : يا بنىّ ، عوّد نفسك الأثرة ، ومجاهدة الشهوة ، ولا تنهس نهس السّباع ، ولا تخضم خضم البراذين ، فإن اللَّه جعلك إنسانا ، فلا تجعل نفسك بهيمة .
وحكى عن بعض الكتاب قال : تغديت مع المأمون فالتفت إلىّ وقال : خلال قبيحة عند الجلوس على الطعام : كثرة مسح اليد ، والانكباب على الطعام ، وكثرة أكل البقل ، ومعنى ذمّه هذه الخلال الثلاث : أنه إذا أكثر مسح اليد فإنما ذلك من غمسها في الطعام ، والانكباب يدلّ على شدّة الحرص وزيادة الشره والنّهم . قال الشاعر
لقد سترت منك الخوان عمامة
دجوجيّة ظلماؤها ليس تقلع
وأما البقل ، فإن الحاجة إلى البلغة منه ، وفي الإكثار منه تشبّه بالبهائم ، لأنه مرعاها .
وقيل : الأكل ثلاثة : مع الفقراء بالإيثار ، ومع الإخوان بالانبساط ، ومع أبناء الدنيا بالأدب .
وقيل لبعض الحكماء : أىّ الأوقات أحمد للأكل ؟ فقال : أما من قدر فإذا اشتهى ، وأما من لم يقدر فإذا وجد .
ذكر الاقتصاد في المطاعم والعفّة عنها
قال اللَّه عز وجل : * ( ( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) ) * وفي الحديث أن النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال :
« من زاره أخوه المسلم فقرّب إليه ما تيسر غفر له وجعل في طعامه البركة ، ومن قرّب إليه ما تيسر فاستحقر ذلك كان في مقت من اللَّه حتّى يخرج » . وقالت عائشة رضى اللَّه عنها : أولم النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلم على بعض نسائه مدّين من شعير .