هذه المثابة ، وصاحب الدعوة المجابة ، فكن ثالثة الأثافى لبابه ، وانتظم في سلك عشرائه وأترابه ، وتفقّد الأسواق خصوصا اللَّحامين ، ومواطن الطبخ ومساطب المطربين ، ومجمع القراء ومعاهد محالّ الوعّاظ ، وكلّ بقعة هي مظنّة فرح يعود عليك نفعه وكن أوّل داخل وآخر خارج ، ومل إلى الزوايا ، فهي أجمل ما لهذه الحرفة من المزايا ، ونقّل ركابك في كلّ يوم ، فتارة في سوق اللحم وتارة في سوق الثّوم ؛ وغيّر الحلية ، وقصّر اللحية ، وابرز كلّ يوم في لباس ، فهو أكثر للالتباس ، وجدّد البهت حتى تتخذه عصاك ، وتجعله ذريعة لمن عصاك ، وأتقن الفنون المحتاج إليها من غنى ونجامة ، وطب وشهامة ، وتاريخ وأدب ، وكرم أصل وحسب ، وحالتي التوقيت والتنزيل ، فاجعلهما دأبك ، فإذا عرفوك ، وحضر الجمع وكشفوك ، فطرّز كلّ محفل بمحاسنن أقوالك ، وكلَّل جيد كلّ مأدبة بجواهر أفعالك ، واعلم أنها صنعة دثرت معالمها ، وقلّ عالمها ، ولو لم أر على وجهك مخائل بشرها ، وعلى أعطاف أردافك روائح نشرها ، لما ألقيت إليك كتاب عهدها ، ولا حملت لبابك راية مجدها ، فتلقّ راية هذا العهد بساعد مساعد ، وعضد في الولوج على الأسمطة معاضد ، فوّضت إليك أمر من تحلَّى بجواهرها المنظومة ، ولبس حللها القشيبة المرقومة ، وبسطت لسان قلمك في رقم عهودها ، وأذنت لك أن تجريهم على سنن معهودها ، وإياك أن تعهد إلا لمن ملك خصالها ، وجاس خلالها ، واستجلى هلالها ، وأتقن أحوالها ، ولاية عامّة ، وكلمة مبرمة تامّة ، حرس اللَّه بك معقل الأدب واللطافة ، ومحابك معالم الثقالة والكثافة .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 337
مساهمون: النويري
ص٣٣٧