تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
لو طبخت قدر بمطمورة موقدها الشام وأعلى الثغور وأنت في الصين لوافيتها يا عالم الغيب بما في القدور
واليوم قد مال القويم إلى الاعوجاج ، وعزّ بازى الشيب غراب الشّعر الدّاج ، وقيّد الزمن أقداما ، ومنعت الشيخوخة إقداما ، وصرت لحما على وضم ، بعد أن كنت نارا على علم ، وقد أفادتنى التّجربة من هذه الصناعة فنونا ، وتلت علىّ من محاسنها متونا ، وقد أبقيت لكل مجمع بابا ، وفذلكت لكل مشهد حسابا ، وقد اقتضى حسن الرأي أن أفوّض إليك أمرها ، وأودع تأمور قلبك وحسّك سرّها ، علمي بأنك الكيّس الفطن ، بل الألمعىّ الذّرب المرن ، لو عقدت أكلة الولائم بغاب ولجه ، وأحسن بتأنّيه الجميل مدخله ومخرجه ، وقد شاهدت من أعمالك الصالحة ، ما يقال عند ذهابي : ما أشبه الليلة بالبارحة ، وقد عهدت إليك ، واستخرت اللَّه في التعويل عليك ، فمثلك من يخطب للمناصب ، ويتسنّم ذروة المراتب ، ودونك ما أنطق به من الوصايا ، واحفظ ما يسرده لسان القلم من جميل المزايا ، إياك وموائد اللئام ، وانزل بساحات الكرام ، واتخذ الشروع في الشوارع حرفة ، وأظهر على مشيك صلافة وعفّة ، وميّز بعينك حسن المساطب ونقش الستور ، وجمال الخدء وقعود الصدور ، واقصد الأبواب العالية ، والأكلة المنقوشة الجالية ، فإن دللت على مأدبة نصبها بعض الأعيان ، وجمع إليها أصحابه الإخوان ، فالبس من ثيابك الجميلة قشيبها ، وضوّع بالمندل الرطب طيبها ، وأتقن خبر صاحب الدار وأخباره ، وقف في صدر الشارع من الحاره ، فإذا رأيت الجمع وقد تهادوا بالهوادى والأقدام ، وتهادوا فيما بينهم لذيذ الكلام ، تقدّم إليهم بقلب قلب الأمور ، وعلم بحسن تطلَّعه وتضلَّعه داء الجمهور ، وقل لهم : رب الدار قد استبطأكم ، فما الذي أبطأكم ؟ حتّى إذا قاربوا صعود العتبة ،