تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
وقال بشر بن الحارث الحافي : لا غيبة لبخيل ، ولشرطىّ سخىّ أحبّ إلىّ من عابد بخيل . وقالوا : البخيل لا يستحقّ اسم الحرّية ، فإن ماله يملكه . ويقال : لا مال للبخيل ، وإنما هو لماله . وقال الحسن البصرىّ : لم أر أشقى بماله من البخيل ؛ لأنّه في الدنيا يهتمّ بجمعه ، وفي الآخرة يحاسب على منعه ، غير آمن في الدنيا من همه ، ولا ناج في الآخرة من إثمه ، عيشه في الدنيا عيش الفقراء ، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء . ودخل رحمه اللَّه على عبد اللَّه بن الأهتم يعوده في مرضه ، فرآه يصعّد بصره ويصوّبه إلى صندوق في بيته ، ثم التفت اليه ، فقال : يا أبا سعيد ، ما تقول في مائة ألف دينار في هذا الصندوق لم أودّ منها زكاة ولم أصل بها رحما ؟ فقال له : ثكلتك أمك ! ولم كنت تجمعها ؟ قال لروعة الزمان ، وجفوة السلطان ، وتكاثر العشيرة ، ثمّ مات ، فشهده الحسن ، فلما فرغ من دفنه ، ضرب بيده على القبر ، ثم قال : انظروا إلى هذا ، أتاه شيطانه فخوّفه روعة زمانه ، وجفوة سلطانه ، بما استودعه اللَّه إيّاه ، وعمّره فيه . انظروا اليه كيف خرج مذموما مدحورا ! ثم التفت إلى وارثه ، فقال : أيها الوارث لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس ، أتاك هذا لمال حلالا ، فلا يكونن عليك وبالا ، أتاك عفوا صفوا ، ممن كان له جموعا منوعا ، من باطل جمعه ، ومن حقّ منعه ، قطع فيه لجج البحار ، ومفاوز القفار ، ولم تكدح لك فيه عين ولم يعرق لك فيه جبين ، إن يوم القيامة يوم ذو حسرات ، وإن من أعظم الحسرات غدا ، أن ترى مالك في ميزان غيرك ، فيالها حسرة لا تقال ، وتوبة لا تنال .