تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وأوصى بعض الحكماء ولده فقال : يا بنىّ لا يعتذر إليك أحد من الناس ، كائنا من كان ، في أي جرم كان ، صادقا كان أو كاذبا ، إلا قبلت عذره ، فكفاك بالاعتذار برّا من صديقك ، وذلَّا من عدوّك . قال بعض الشعراء
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر
وقال أبو هلال الحسن بن عبد اللَّه بن سهل العسكرىّ : الاعتذار ذلَّة ، ولا بدّ منه ، لأن الإصرار على الذنب ، فيما بينك وبين خالقك هلكة ، وفيما بينك وبين صديقك فرقه ، وعند سائر الناس مثلبة وهجنة ، فعليك به ، إذا واقعت الذنب ، وقارفت الجرم ، ولا تستنكف من خضوعك وتذلَّلك فيه ، فربما استثير العزّ من تحت الذلة ، واجتنى الشرف من شجرة النذلة ، وربّ محبوب في مكروه ، والمجد شهد يجتنى من حنظل . قال : ومما خصّ به الاعتذار أنّ الحقّ لا يثبت لباطله ، والحقيقة لا تقوم مع تخييله وتمويهه ، وأنّ ردّه لا يسع مع الكذب اللائح في صفحاته . وقالوا : لا عذر في ردّ الاعتذار ، والمعتذر من الذنب ، كمن لا ذنب له ، وهذه خصلة لا يشركه فيها غيره . قال بعضهم : كنت بحضرة عبيد اللَّه بن سليمان ، فوردت عليه رقعة من جعفر ابن توّابة ، نسختها : قد فتحت للمظلوم بابك ، ورفعت عنه حجابك ، فأنا أحاكم الأيّام إلى عدلك ، وأشكو صروفها إلى فضلك ، وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك ، وحسن ملكتك ، فإنها تؤخّرنى إذا قدّمت ، وتحرمنى إذا قسّمت ، فإن