تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
فأخبرتهم ، فرقّوا له فزوّجوه بحضرتي . فرجعت إليه لأفرّج عنه ، فلما أخبرته الخبر ، نظر إلىّ ، ثم تأوّه تأوّها شديدا بلغ من قلبي ، ثم قال :
ألآن إذ حشرجت نفسي وخامرها فراق دنيا وناداها مناديها !
ثم زفر زفرة فمات . فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأخبرتهم الخبر . فأقامت الجارية بعده ثلاثا لا تطعم ، ثم ماتت . وحكى عن المبرد قال : خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون . فلما قربنا من الرّقّة ، إذا نحن بدير كبير ، فقال لي بعض أصحابي : مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه ونحمد اللَّه تعالى على ما رزقنا من السلامة ، فدخلنا إلى الدير ، فرأينا مجانين مغلغلين ، وهم في نهاية القذارة ، فإذا فيهم شابّ عليه بقية من ثياب ناعمة ، فلما بصربنا قال : من أنتم يافتيان ؟ حياكم اللَّه ! فقلنا : نحن من العراق . فقال : بأبى العراق وأهلها ! باللَّه أنشدونى أو أنشدكم ! فقال المبرد : قلت : واللَّه إن الشعر من هذا لظريف ، فقلنا : أنشدنا ، فأنشأ يقول :
اللَّه يعلم أنّنى كمد لا أستطيع أبثّ ما أجد ! روحان لي : روح تضمّنها بلد وأخرى حازها بلد ! وأرى المقيمة ليس ينفعها صبر ولا يقوى لها جلد . وأظنّ غائبتى كشاهدتى فكأنّها تجد الذي أجد !
قال المبرد : باللَّه زدنا ، فأنشأ يقول :
لمّا أناخوا قبيل الصّبح عيرهم ورحّلوها فثارت بالهوى الإبل ، وقلَّبت من خلال السّجف ناظرها ترنو إلىّ ودمع العين منهمل ،