فأخبرتهم ، فرقّوا له فزوّجوه بحضرتي . فرجعت إليه لأفرّج عنه ، فلما أخبرته الخبر ، نظر إلىّ ، ثم تأوّه تأوّها شديدا بلغ من قلبي ، ثم قال :
ألآن إذ حشرجت نفسي وخامرها
فراق دنيا وناداها مناديها !
ثم زفر زفرة فمات . فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأخبرتهم الخبر . فأقامت الجارية بعده ثلاثا لا تطعم ، ثم ماتت .
وحكى عن المبرد قال : خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون . فلما قربنا من الرّقّة ، إذا نحن بدير كبير ، فقال لي بعض أصحابي : مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه ونحمد اللَّه تعالى على ما رزقنا من السلامة ، فدخلنا إلى الدير ، فرأينا مجانين مغلغلين ، وهم في نهاية القذارة ، فإذا فيهم شابّ عليه بقية من ثياب ناعمة ، فلما بصربنا قال : من أنتم يافتيان ؟ حياكم اللَّه ! فقلنا : نحن من العراق . فقال : بأبى العراق وأهلها ! باللَّه أنشدونى أو أنشدكم ! فقال المبرد : قلت : واللَّه إن الشعر من هذا لظريف ، فقلنا :
أنشدنا ، فأنشأ يقول :
اللَّه يعلم أنّنى كمد
لا أستطيع أبثّ ما أجد !
روحان لي : روح تضمّنها
بلد وأخرى حازها بلد !
وأرى المقيمة ليس ينفعها
صبر ولا يقوى لها جلد .
وأظنّ غائبتى كشاهدتى
فكأنّها تجد الذي أجد !
قال المبرد : باللَّه زدنا ، فأنشأ يقول :
لمّا أناخوا قبيل الصّبح عيرهم
ورحّلوها فثارت بالهوى الإبل ،
وقلَّبت من خلال السّجف ناظرها
ترنو إلىّ ودمع العين منهمل ،