تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
عن نفسها فيحقد ذلك علىّ . فمكثت مدّة مديدة ثم ماتت . ولا أظنها ماتت إلا كمدا وأسفا على الفتى . وروى ابن الجوزىّ أيضا بسنده قال : حكى عن شبابة بن الوليد العذرىّ أن فتى من بنى عذرة يقال له أبو مالك بن النضر ، كان عاشقا لابنة عمّ له عشقا شديدا . فكان على ذلك مدّه ، ثم إنه فقد بضع عشرة سنة ، لا يحسّ له خبر . قال شبابة : فأضللت إبلا لي . فخرجت في طلبها . فبينا أنا أسير في الرمال إذا بهاتف يهتف . بصوت ضعيف :
يا ابن الوليد ، ألا تحمون جاركم وتحفظون له حتّى القرابات ؟ عهدي إذا جار قوم نابه حدث ، وقوه من كلّ مكروه الملمّات ! هذا أبو مالك المسمى ببلقعة من الضّباع وآساد بغابات ! طليح سوق ، بنار الحبّ محترق ، تعتاده زفرات إثر لوعات ! أما النهار فيصيه تذكَّره ، والليل مرتقب للصبح هل يأتي . يهدى بجارية من عذرة اختلست فؤداه ، فهو منها في بليّات !
فقلت : دلَّنى عليه ، رحمك اللَّه ! قال : نعم ، اقصد الصوت ، فقصدته ، فسمعت أتينا من خباء فإذا قائل يقول :
يا رسيس الهوى ، أذبت فؤادي وحشوت الحشا عذابا أليما !
فدنوت منه فقلت : أبو مالك ؟ قال : نعم ! قلت : ما بلع بك إلى ما أرى ؟ قال : حبّى سعاد ابنة أبى الهندام العذرىّ ، شكوت يوما ما أجد من حبها إلى ابن عمّ لنا فاحتملنى إلى هذا الوادي ، منذ بضع عشرة سنة ، يأتيني كل يوم بخبرها ويقوتنى من عنده . فقلت إني أصير إلى أهلها فأخبرهم ما رأيت . قال : أنت وذاك ، قال : فانصرفت