تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وفي الدماغ ثلاثة مساكن : مسكن للتخيّل ، وهو في مقدّم الرأس ؛ ومسكن للفكر ، وهو في وسطه ؛ ومسكن للذّكر ، وهو في مؤخّره . ولا يسمى عاشقا إلا من إذا فارق معشوقه لم يخل من تخيله فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد ، ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والفكر والذكر فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به . وقال الجاحظ : ذكر لي عن بعض حكماء الهند أنه قال : إذا ظهر العشق عندنا في رجل أو امرأة ، غدونا على أهله بالتعزية . قال : وبلغنى أن عاشقا مات بالهند عشقا ، فبعث ملك الهند إلى المعشوق فقتله به . وقال الربعي : سمعت أعرابية تقول : مسكين العاشق ! كل شئ عدوّه ! هبوب الريح يقلقه ، ولمعان البرق يؤرّقه ، ورسوم الديار تحرقه ، والعذل يؤلمه ، والتذكَّر يسقمه ، والبعد والقرب يهيجه ، والليل يضاعف بلاءه ، والرقاد يهرب منه . ولقد تداويت بالقرب والبعد فلم ينجع فيه دواء ، ولا عزّ بي عزاء . وقال شاعر :
وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا يملّ ، وأن النّأى يشفى من الوجد ! بكلّ تداوينا ، فلم يشف ما بنا ! على أنّ قرب الدار خير من البعد !
وأنشد المارستانىّ :
إذا قربت دار كلفت ، وإن نأت أسفت ! فلا بالقرب أسلو ولا البعد !
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 148 | النويري