و تمام فتح مكّة و اتّساق أمر الصّلاح ، فأحبّ اللّه تعالى أن يجعل ذلك على يد من ينوّه باسمه و يعلى ذكره و ينبّه على فضله و يدلّ على علوّ قدره ، و يبينه به عمّن سواه ، فكان ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام و لم يكن لأحد من القوم فضل يقارب الفضل الّذى وصفناه ، و لا يشركه فيه أحد منهم على ما بيّناه .
و أمثال ما عددناه كثير ان عملنا على إيراده طال به الكتاب ، و اتّسع به الخطاب ، و فيما أثبتناه منه في الغرض الّذى قصدناه كفاية لذوى الألباب .
فصل
فأمّا الجهاد الّذى ثبتت به قواعد الإسلام ، و استقرّت بثبوتها شرائع الملّة و الأحكام ، فقد تخصّص منه أمير المؤمنين عليه السّلام بما اشتهر ذكره في الانام و استفاض الخبر به بين الخاصّ و العامّ ، و لم يختلف فيه العلماء ، و لا تنازع في صحّته الفهماء و لا شكّ فيه إلّا غفل لم يتأمّل الاخبار ، و لا دفعه ممّن نظر في الآثار إلّا معاند بهّات لا يستحيى من العار .
فمن ذلك ما كان منه عليه السّلام في غزاة بدر المذكورة في القرآن و هى أوّل حرب كان بها الامتحان و ملأت رهبتها صدور المعدودين من المسلمين في الشّجعان ، و راموا التّأخّر عنها لخوفهم منها و كراهتهم لها على ما جآء به محكم الذّكر في التّبيان ، حيث يقول جلّ اسمه فيما قصّ به من نبإهم على الشّرح و البيان :
( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ )
في الآى المتّصلة بذلك إلى قوله تعالى :
( وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )
إلى آخر السّورة ، فإنّ الخبر عن أحوالهم فيها يتلو بعضه بعضا و ان اختلف ألفاظه و اتّفقت معانيه ، و كان من جملة خبر هذه الغزاة : انّ المشركين حضروا بدرا مصرّين على القتال ، مستظهرين فيه بكثرة الأموال و العدد و العدّة و الرّجال ،