فولّى الحبر متعجّبا يستهزىء بالإسلام فاستقبله امير المؤمنين عليه السّلام فقال له : يا يهودىّ قد عرفت ما سألت عنه و ما اجبت به ، و انّا نقول : انّ اللّه عزّ و جلّ ايّن الأين فلا أين له و جلّ عن أن يحويه مكان و هو في كلّ مكان به غير مماسّة و لا مجاورة يحيط علما بما فيها : و لا يخلو شيء منها من تدبيره ، و إنّى مخبرك بما جآء في كتاب من كتبكم يصدّق ما ذكرته لك ، فان عرفته اتؤمن به ؟ قال اليهودىّ : نعم ، قال : الستم تجدون في بعض كتبكم انّ موسى بن عمران عليه السّلام كان ذات يوم جالسا اذ جآءه ملك من المشرق فقال له موسى : من اين اقبلت ؟ قال : من عند اللّه عزّ و جلّ ثمّ جآءه ملك من المغرب فقال له : من اين جئت ؟ قال : من عند اللّه عزّ و جلّ ، و جآءه ملك آخر فقال : قد جئتك من السّماء السّابعة من عند اللّه تعالى و جاءه ملك آخر فقال : قد جئتك من الأرض السّابعة السّفلى من عند اللّه عزّ و جلّ فقال موسى عليه السّلام : سبحان من لا يخلو منه مكان ، و لا يكون الى مكان اقرب من مكان ، فقال اليهودىّ : « اشهد انّ هذا هو » الحقّ ، و انّك احقّ بمقام نبيّك ممّن استولى عليه ، و أمثال هذه الأخبار كثيرة .
فصل
في ذكر ما جآء من قضاياه عليه السّلام في امارة بن الخطّاب :
فمن ذلك ما جاءت به العامّة و الخاصّة في قصّة قدامة بن مظعون و قد شرب الخمر ، فأراد عمر ان يحدّه فقال له قدامة : انّه لا يجب علىّ الحدّ لانّ اللّه تعالى يقول :
( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا )
فدرأ عمر عنه الحدّ ، فبلغ ذلك امير المؤمنين عليه السّلام فمشى إلى عمر فقال له : لم تركت إقامة الحدّ على قدامة في شربه الخمر ؟ فقال له : انّه تلا علىّ الآية و تلاها عمر على امير المؤمنين عليه السّلام ، فقال له امير المؤمنين عليه السّلام : ليس قدامة من أهل هذه الآية و لا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرّم اللّه تعالى ، إنّ الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات لا يستحلّون حرما ، فاردد قدامة و استتبه ممّا قال ، فان تاب فاقم عليه الحدّ ، و ان لم يتب فاقتله فقد خرج عن الملّة ،