باب الزهد
وهو عزوف القلب عن الدنيا إلى الآخرة طوعا ولا يعبأ باليد ، وهو يثمر العلم المقصود لذاته ، والفراغ للعبادة وحلاوتها ، وتعظيم قدرها ، ومحبّة اللَّه ، فإنّها لا تحصل إلَّا بدوام الذّكر والفكر الممتنعين من الشغل بالدّنيا . والدّنيا هي الحالات الَّتي قبل الموت ، والآخرة هي الَّتي بعده ، لكن العبادة وما لا بدّ منه فيها كالكسب معدودة من الآخرة ( 1 ) ، لأنّها لها ، ولخروجها عمّا جمع في قوله عزّ وجلّ * ( أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ والأَوْلادِ ) * ( 2 ) فهي الدّنيا بأجمعها ، ومتاعها ما جمع في قوله عزّ وجلّ * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والْبَنِينَ والْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والأَنْعامِ والْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا والله عِنْدَه حُسْنُ الْمَآبِ ) * . ( 3 ) والشغل بها حبّ حظوظها باطنا ، وتحصيلها ظاهرا ، وعلاج حبّها معرفة الرّبّ والنفس وشرف الآخرة وخساسة الدّنيا والمنافاة بينهما ، وأدنى الزهد باعتبار نفسه أن يجاهد فيه لميل النّفس إلى الدّنيا وهو تزهّد . ثمّ إن يتنفّر عنها فهو زهد ، ثمّ عدم الميل والتنفّر ، ويعرف بتسوية سرقة ماله ومال غيره ، ثمّ عدم الاعتبار بزهده وباعتبار مأمنه من خوف النار ، ثمّ من الرّجاء إلى الجنّة ، لاقتضائهما المحبّة ، ثمّ من رفع الالتفات إلى ما سواه