والأموال صرنا إلى هذا ؟ قال : يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها ، لم يغفل
الله عنها .
مات يحيى مسجونا بالرقة سنة تسعين ومئة عن سبعين سنة .
فأما جعفر ، فكان من ملاح زمانه ، كان وسيما أبيض جميلا فصيحا
مفوها ، أديبا ، عذب العبارة ، حاتمي السخاء ، وكان لعابا غارقا في لذات
دنياه ، ولي نيابة دمشق ، فقدمها في سنة ثمانين ومئة ، فكان يستخلف
عليها ، ويلازم هارون ، وكان يقول : إذا أقبلت الدنيا عليك ، فأعط ، فإنها
لا تفنى ، وإذا أدبرت ، فأعط فإنها لا تبقى .
قال ابن جرير ( 1 ) : هاجت العصبية بالشام ، وتفاقم الامر ، فاغتم
الرشيد ، فعقد لجعفر ، وقال : إما أن تخرج أو أخرج ، فسار فقتل فيهم ،
وهذبهم ، ولم يدع لهم رمحا ولا قوسا ، فهجم الامر ( 2 ) ، واستخلف على
دمشق عيسى بن المعلى ، ورد ( 3 ) .
قال الخطيب : كان جعفر عند الرشيد بحالة لم يشاركه فيها أحد ،
وجوده أشهر من أن يذكر ، وكان من ذوي اللسن والبلاغة ، يقال : إنه وقع
ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ، ونظر في جميعها ، فلم يخرج
شيئا ( 4 ) منها عن موجب الفقه . كان أبوه قد ضمه إلى القاضي أبي
هامش
( 1 ) في " تاريخه " 8 / 262 .
( 2 ) يقال : هجم الشئ : سكن وأطرق ، قال ابن مقبل :
حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة * يخشعن في الآل غلفا أو يصلينا
وفي " تاريخ الطبري " 8 / 262 : فعادوا إلى الامن والطمأنينة ، وأطفأ تلك النائرة
( 3 ) في " تاريخ الطبري " 8 / 263 : واستخلف على الشام عيسى بن العكي ،
وانصرف .
( 4 ) في تاريخ بغداد : فلم يخرج شئ منها .