ملاها زئبقا ، فكان النور ينعكس منه إلى المجلس ، فدخل عليه قاضيه ،
منذر بن سعيد البلوطي ( 1 ) ، فوقف وقرأ : ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة
لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة . ) الآيتين :
[ الزخرف : 33 ، 34 ] . فقال : وعظت أبا الحكم ، ثم قام عن
المجلس ، وأمر بنزع الذهب والجواهر .
وقال عبد الواحد المراكشي في " تاريخه " : اتسعت مملكة الناصر ،
وحكم على أقطار الأندلس ، وملك طنجة وسبتة ، وغيرهما من بلاد العدوة ،
وكانت أيامه كلها حروبا . وعاش المسلمون في آثاره الحميدة آمنين برهة .
ويقال : إن بناء الزهراء أكمل في اثنتي عشرة سنة ، بألف بناء في
اليوم ، مع البناء اثنا عشر فاعلا .
حكى أبو الحسن الصفار : أن يوسف بن تاشفين ملك المغرب لما
دخل الزهراء ، وقد خربت بالنيران والهدم ، من تسعين سنة قبل دخوله
إليها ، وقد نقل أكثر ما فيها إلى قرطبة وإشبيلية ، ونظر آثارا تشهد على
محاسنها ، فقال : الذي بنى هذه كان سفيها ، فقال له أبو مروان بن سراج :
كيف يكون سفيها وإحدى كرائمه أخرجت مالا في فداء أسارى في أيامه ، فلم
يوجد ببلاد الأندلس أسير يفدى .
هامش
هو المنذر بن سعيد البلوطي ، قاضي الجماعة بقرطبة ، كان عالما فقيها ، وأديبا
بليغا ، وخطيبا مصقعا ، متكلما بالحق ، متبينا بالصدق ، له كتب مؤلفة في السنة والقرآن والورع
والرد على أهل الأهواء والبدع ، وله اليوم المشهور الذي ملا فيه الاسماع ، وبهر القلوب بخطبته
البليغة التي ارتجلها بين يدي الناصر في ذلك الجمع الحاشد المهيب ، الذي أعده لاستقبال
رسول ملك الروم ، فأعجب به الناصر أيما إعجاب ، فقال لابنه : والله لقد أحسن ما شاء ، ولئن
أخرني الله بعد لأرفعن من ذكره ، فضع يدك عليه ، واستخلصه ، وذكرني بشأنه ، فما للصنيعة
مذهب عنه ، ثم ولاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء ، " نفح الطيب " 1 / 366 .
374 .