فما وجدوا في شباب بني أمية من يصلح للامر إلا عبد الرحمن بن محمد ،
فبايعوه وطلب منهم المال فلم يجده ، وطلب العدد فلم يجدها ، فلم يزل
السعد يخدمه إلى أن سار بنفسه لابن حفصون ، فوجده مجتازا لوادي
التفاح ، ومعه أكثر من عشرين ألف فارس كذا نقل اليسع ، وما أحسب أن
ابن حفصون بقي إلى هذا التاريخ قال : فهزمه ، وأفلت ابن حفصون في
نفر يسير ، فتحصن بحصن مبشر .
ولم يزل عبد الرحمن يغزو حتى أقام العوج ، ومهد البلاد ، ووضع
العدل ، وكثر الامن ، ثم بعث جيشا إلى المغرب ، فغزا برغواطة بناحية
سلا ( 1 ) ، ولم تزل كلمته نافذة ، وسجلماسة ( 2 ) ، وجميع بلاد القبلة ، وقتل
ابن حفصون . وصارت الأندلس أقوى ما كانت وأحسنها حالا ، وصفا وجهه
للروم ، وشن الغارات على العدو ، وغزا بنفسه بلاد الروم اثنتي عشرة غزوة ،
ودوخهم ، ووضع عليه الخراج ، ودانت له ملوكها ، فكان فيما شرط عليهم
اثنا عشر ألف رجل يصنعون في بناء الزهراء التي أقامها لسكناه على فرسخ من
قرطبة .
وساق إليها أنهارا ، ونقب لها الجبل ، وأنشأها مدورة ، وعدة أبراجها
ثلاث مئة برج ، وشرفاتها من حجر واحد ، وقسمها أثلاثا : فالثلث المسند
إلى الجبل قصوره ، والثلث الثاني دور المماليك والخدم ، وكانوا اثني عشر
ألفا بمناطق الذهب ، يركبون لركوبه ، والثلث الثالث بساتين تحت القصور .
وعمل مجلسا مشرفا على البساتين ، صفح عمده بالذهب ، ورصعه بالياقوت
والزمرد ، واللؤلؤ ، وفرشه بمنقوش الرخام ، وصنع قدامه بحرة مستديرة
هامش
( 1 ) مدينة المغرب على ساحل المحيط الأطلسي ، قرب المعمورة وبقربها برغواطة .
( 2 ) مدينة داخلية في جنوب المغرب بينها وبين فاس عشرة أيام .