فقال : كان عاقلا ، صدوقا ، محدثا ، وكان شديدا على أهل الريب
والبدع ، قديم السماع من أبي إسحاق قبل زهير ، وقبل إسرائيل . فقلت
له : إسرائيل أثبت منه ؟ قال : نعم . قلت له : يحتج به ؟ قال : لا تسألني
عن رأيي في هذا . قلت : فإسرائيل يحتج به ؟ قال : إي لعمري . قال :
وولد شريك سنة خمس وتسعين . قلت له : كيف كان مذهبه في علي وعثمان
رضي الله عنهما ؟ قال : لا أدري .
قال حفص بن غياث ، من طريق علي بن خشرم ، عنه : سمعت
شريكا يقول : قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، واستخار المسلمون أبا بكر ، فلو علموا أن
فيهم أحدا أفضل منه كانوا قد غشونا ، ثم استخلف أبو عمر ، فقام بما قام
به من الحق والعدل ، فلما حضرته الوفاة ، جعل الامر شورى بين ستة ،
فاجتمعوا على عثمان . فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا .
قال علي بن خشرم : فأخبرني بعض أصحابنا من أهل الحديث ، أنه
عرض هذا على عبد الله بن إدريس ، فقال ابن إدريس : أنت سمعت هذا من
حفص ؟ قلت : نعم . قال : الحمد لله الذي أنطق بهذا لسانه ، فوالله إنه
لشيعي ، وإن شريكا لشيعي .
قلت : هذا التشيع الذي لا محذور فيه إن شاء الله إلا من قبيل الكلام
فيمن حارب عليا رضي الله عنه من الصحابة ، قبيح يؤدب فاعله . ولا
نذكر أحدا من الصحابة إلا بخير ، ونترضى عنهم ، ونقول : هم طائفة من
المؤمنين بغت على الإمام علي ، وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله
عليه لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " ( 1 ) . فنسأل الله أن يرضى عن الجميع ،
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( 2916 ) في الفتن : باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل
فيتمنى أن يكون الرجل مكان الميت من البلاء ، وهو حديث متواتر ، رواه جماعة من الصحابة
منهم : أبو سعيد الخدري وهو في " الصحيح " ، وقتادة بن النعمان عند النسائي ، وأبو هريرة عند
الترمذي ، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي ، وعثمان بن عفان ، وحذيفة ، وأبو
أيوب ، وأبو رافع ، وخزيمة بن ثابت ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص . قال الحافظ في " فتح
الباري " 1 / 452 : وكلها عند الطبراني وغيره ، وغالب طرقها صحيحة وحسنة . وفيه عن جماعة
آخرين يطول عددهم . وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، وفضيلة ظاهرة لعلي وعمار ، ورد
على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه . ونقل المناوي في " فيض القدير "
6 / 366 عن كتاب الإمامة للامام عبد القاهر الجرجاني قوله : أجمع فقهاء الحجاز والعراق من
فريقي الحديث والرأي منهم : مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي ، والجمهور الأعظم
من المتكلمين والمسلمين ، أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين ، كما هو مصيب في أهل
لجمل ، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له .