وفي سنة خمس وثمانين : نفذ طغرل تحفا وهدايا ، واعتذر واستغفر .
وظهر ابن يونس ، فولي نظر المخزن ، ثم عزل بعد أشهر .
وفيها وفي المقبلة : كان الحصار الذي لم يسمع بمثله أبدا على عكا ،
كان السلطان قد افتتحها وأسكنها المسلمين ، فأقبلت الفرنج برا وبحرا من
كل فج عميق ، فأحاطوا بها ، وسار صلاح الدين فيدفعهم فما تزعزعوا ولا
فكروا بل أنشأوا سورا وخندقا على معسكرهم ، وجرت غير وقعة ، وقتل خلق
كثير يحتاج بسط ذلك إلى جزء ، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نيفا
وعشرين شهرا ، وكانت الامداد تأتي العدو من أقصى البحار ، واستنجد
صلاح الدين بالخليفة وغيره حتى أنه نفذ رسولا إلى صاحب المغرب يعقوب
المؤمني يستجيشه فما نفع ، وكل بلاء النصارى ذهاب بيت المقدس منهم .
قال ابن الأثير ( 1 ) : لبس القسوس السواد حزنا على القدس ، وأخذهم
بترك ( 2 ) القدس وركب بهم البحر يستنفرون الفرنج ، وصوروا المسيح وقد
ضربه النبي صلى الله عليه وسلم وجرحه ، فعظم هذا المنظر على النصارى ، وحشدوا
وجمعوا من الرجال والأموال ما لا يحصى ، فحدثني كردي كان يغير مع
الفرنج بحصن الأكراد أنهم أخذوه معهم في البحر ، قال : فانتهى بنا الطواف
إلى رومية فخرجنا منها وقد ملانا الشواني الأربعة فضة ( 3 ) .
قال ابن الأثير ( 4 ) : فخرجوا على الصعب والذلول برا وبحرا ، ولولا
هامش
( 1 ) الكامل : 12 / 32 .
( 2 ) وتكتب " البطرك " أيضا ، وهو البطريرك .
( 3 ) في الكامل : " نقرة " .
( 4 ) الكامل : 12 / 33 .